أحدِّثُكَ عن وجعِ الحقيبةِ :شعر: حسن العاصي فلسطينيّ مقيم في الدّانمرك

حسن العاصي

 

لم أكنْ أحبُّ معلِّمَ الرّياضياتِ

لأنّهُ يكْسرُ صورَ الأحبّةِ

ويعادلُ أجنحةَ المراكبِ بأشرعةِ البجعْ

يدسُّ جذرَ الرّيحِ الشّاردَ

ثمّ يضعُ أسماءَ الموتى  في جداولَ

يبتدعُ نظريّاتٍ بفوّهاتٍ صمّاءَ

 تضيقُ على عيونِ الصّغارِ

ويحملُ مسطرةً طويلةً

تصلُ إلى رؤوسِ التّلاميذِ

يشرحُ لنا عن مثلّثاتٍ

برؤوسٍ متجرِّدةٍ من حقولِها

أضلاعُها مثل شجرةٍ هرمةٍ

وفمُها طوابيرُ من الجرادِ

كانَ يقيسُ المسافةً بين الكرّاسةِ وتعبِ القلمِ

بوتدٍ من رحمٍ كسيحٍ

ولا أحبُّ أستاذَ الجغرافيا

يرسمُ بحوراً لا ماءَ فيها

ولا أغصانَ حانيةٌ

يخبرُنا عن مدنٍ تعومُ فوقَ شقائقِ النّعمانِ

وعن فصولٍ ممزّقةِ الأسمالِ

تستجدي حزمةً من مطرٍ

يقولُ لنا حينَ تسقطُ أوراقُ النّهرِ

يجنُّ الخريفُ ويموتُ الخبزُ

حينَها يقضمُ الغيمُ وجهَ النّهارِ

لا تخافوا إنْ ألقتِ العاصفةُ في صلبِ الكثبانِ

قمحًاً بلا قوافلَ

ولا مدرِّسَ العلومِ العجوزَ

يخلطُ بالقارورةِ صوتَ الضّوءِ المتربّصِ بالنّهرِ

 برائحةِ التّوتِ المثقوبِ

وفي كلِّ مرّةٍ تختنقُ شرنقةُ الماءِ

كانتْ يدُهُ مبتورةً

قالَ مرّةً لا داعيَ للعجلةِ

الطّحلبُ الأصفرُ سيزاحمُ الشّمسَ البكرَ

إذا ما نضجَ السّورُ

وغفا النّورُ على كفِّ الأفقِ

أكثرُ ما كرهتُ معلِّمُ الرّسمِ

وهو يصوّرُ في الأعشاشِ أسماكًا بأجنحةٍ

ويرسمُ ستائرَ بلا نوافذَ

حينَ رسمتُ عربةَ نقلِ الموتى

وضعتُ فيها صناديقَ من التّفاحِ الأبيضِ

صفعني على مؤخّرةِ رأسي

شاهدني مرّةً أرسمُ رجلاً يصلّي

عارياً بلا ملامحَ

 صاحَ يا عبدَ السّوءِ

وطردني من الحصّةِ

أستاذُ اللّغةِ العربيّةِ كانَ يخيفُنا

يصرخُ دونَ مقدّماتٍ

لم يكنْ من حاجةٍ لهذا المعولِ

هذا الحطّابُ لا اسمَ له

ورأسُهُ سادرٌ بلا حولٍ

معتقلين كنّا لا طلّابًا ولا أطفالاً

لم يكن أبي يصدّقُ أنّي كسولٌ

وأنّي لا أحبُّ المدرسةَ

حينَ يسألُني عن أسماءِ الأولياءِ

أعدّدُ له  أغصانَ المدينةِ

أقولُ :”الحروفُ مصابةٌ بنضحٍ من وجعِها”

أصبحتمْ تعلمونَ ما كانَ يفعلُ

وأنتَ لا تطلبُ منّي كتابةَ قصائدَ عن الحبِّ

ولا عن الحبيبةِ الوفيّةِ

لم أكنْ أبداً أتحدّثُ عن المدرسةِ

ولا عن أبي

كنتُ أحدّثُكَ هنا فقطْ عن وجعِ الحقيبةِ

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*