غبش : شعر : باتريسيا لارنكو – شاعرة من جزيرة موريس – باريس :تعليق : محمّد صالح بن عمر

باتريسيا لارنكو

 

أحسُّ بوجود فضاءِ الصّيفِ حولي.
أحسُّ بهِ قد امتدَّ إلى أقصى حدودِ المستطاعِ. 
أحسُّ بهِ وهو يطفو برمّتِهِ في زرقتِهِ، 
في زبدِهِ الدّقيقِ المنسابِ إلى ما لا نهايةَ له 
سواءٌ عموديًّا أو أفقيًّا. 
أحسُّ بتمدّدِهِ 
البِكْرِ ، المتّسعِ، المتضخّمِ
هناك وهنا 
حيثُ يرنُّ صراخُ الطّيورِ ( من نورسٍ وشحرورٍ و عقعقٍ وأبي زريقٍ )
كما لو أنّهُ ينبعثُ من بوقٍ 
وأنا ممدَّدةٌ على الفراشِ 
لا أحرّكُ ساكنًا
في الهواءِ الرّماديِّ 
المداعبِ للغبشِ النّاصعِ.
إنّي ،في ما أحسُّ، 
لا أحتاجُهُ البتّةَ. 
وهذا هو المهمًّ

 

تعليق : محمّد صالح بن عمر :

بُنِيت النّواة الدّلاليّة لهذه القصيدة القصيرة على ثنائيّة مؤلّفة  من مفهومين فضائيين :أحدهما مفرط الاتّساع يشمل الكون بأسره وقد قدّم على  هيئة”خارج” في مقابل الموقع الذي تحتلّه الذّات الشّاعرة المتكلّمة والآخر في منتهى الضّيق.وهو الموضع الذي استقرّت فيه تلك الذّات والذي هو، في ما يبدو، غرفة نوم  (وأنا ممدَّدةٌ على الفراشِ لا أحرّكُ ساكنًا).

لكنّ هذين الفضاءين لا يتقابلان فحسب من جهة الاتّساع/والضّيق وإنّما أيضا من أربع نواح أخرى هي  أوّلا : مدى وضوح الرّؤية (يطفو برمّتِهِ في زرقتِهِ، )في زبدِهِ .وذلك ماثل في كون الخارج واضحا كلّ الوضوح على حين أنّ الدّاخل غارق في الغَبَش (وأنا ممدَّدةٌ على الفراشِ /لا أحرّكُ ساكنًا/في الهواءِ الرّماديِّ /المداعبِ للغبشِ النّاصعِ.) ،ثانيا :من ناحية الحركة .فالخارج دائم التّحرك (قد امتدَّ إلى أقصى حدودِ المستطاعِ/.
أحسُّ بهِ وهو يطفو برمّتِهِ في زرقتِهِ،/ في زبدِهِ الدّقيقِ المنسابِ إلى ما لا نهايةَ له سواءٌ عموديًّا أو أفقيًّا. /أحسُّ بتمدّدِهِ  ) في حين أنّ الدّاخل يلازم الجمود (لا أحرّكُ ساكنًا)، ثالثا :من حيث الجوّ العامّ السّائد .ففي المكان الأوّل يستتبّ جوّ احتفاليّ (يطفو برمّتِهِ في زرقتِهِ،  – هناك وهنا/ حيثُ يرنُّ صراخُ الطّيورِ ( من نورسٍ وشحرورٍ و عقعقٍ وأبي زريقٍ )كما لو أنّهُ ينبعثُ من بوقٍ ).لكنّ الثّاني كئيب باهت إلى حدّ أنّ المتكلّمة لم تجد إلاّ ألفاظا قليلة لوصفه.

وليست مراكمة هذه المقابلات اعتباطيّة .فقد وظّفت كلّها معا لإبراز موقف الشّاعرة المفارق من فصل الصّيف. وهو أنّها تستغني عنه تماما.وهذا ما يشي بأنّ الخطاب صادر عن  ذات لا يعنيها أيّ توافق مهما كان مع المحيط الطّبيعيّ والتّغيّرات المناخيّة التي تحدث فيه ، عن ذات غير رومنسيّة على الرّغم من كونها تستحبّ الرّكون إلى العزلة التّامة .وهو ما يحمل على الاعتقاد أنّنا إزاء ذات تنشد النّفاذ  إلى ما وراء الهنا/الان ،على أمل النّفاذ إلى سرّ الوجود أي، في نهاية الأمر، ذات وجوديّة ذات شواغل ظاهراتيّة.

أمّا الأسلوب فهو كالعادة أسلوب لارنكونيّ متفرّد، قوامه الجنوح إلى الابتكار والمباغتة والإرباك ،في لغة مفهومة ،منقّاة من الألفاظ  القليلة الاستعمال ،فضلا عن الحوشيّ والمستنكر .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*