سمير العيّادي ملكةٌ ثابتةٌ ومسيرةٌ باهرةٌ ومدوّنةُ راقيةٌ : محمّد صالح بن عمر

في سنة 2007 لقيت الكاتب الطّليعي المرحوم سمير العيّادي مصادفة في حافة كانت متجّهة إلى العاصمة. فأعلمني بأنّه قرّر إصدار كتاب بمناسبة بلوغه سنّ السّتّين (إذ هو مولود سنة 1947) يتضمّن شهادات على شخصه من  المثقّفين الذين عرفوه عن قرب في السّاحة الثّقافيّة .والتمس مني أن أسهم في هذا الكتاب بمقال .فوافقت .ثمّ كتبت هذا المقال القصير. لكنّ سميرا لم يتّصل بي ليسأل عنه .وذلك لتأزّم حالته الصّحيّة .وبعد بضعة أشهر انتقل إلى رحمة الله تعالى فلم يصدر الكتاب الذي تمنّى صدوره وبقي مقالي عنه مخطوطا.وها ان الفرصة تحين اليوم لنشره.

سمير العيّادي

سمير العيّادي هو،موضوعيّا ،من أهمّ أعلام الأدب التّونسيّ المعاصر.ولتتأكّد من صحّة هذا الحكم وخلوّه من الغلوّ وبعده التّامّ عن المجاملة لتتأمّلّ مدوّنته القصصيّة التي تتألّف من خمس مجموعات هي: صخب الصّمت(1970)وزخارف الزّمن( 1976)وكذلك يقتلونَ الأملَ(1985)وهديرُ العشق في الأسحار(2002) ومسرحيّاتِه المنشورةَ : سندباد(1983)وأمّ كوراج في الحروب الصّليبيّة(1991)وصابرة(1991)وعلّيسة(1996).

ولعلّ خصلة هذا الكاتب الأولى التي تبرّر مثل هذا الحكم أنّ الرّجل لا يكتب ليعبّر عن أفكاره وأحاسيسه مثلما يفعل جلُّ هوّاة الكتابة الأدبيّة الكبار في السّنّ بل ليجسّم في كلّ نصّ تصوّرا جديدا لم يسبقه إليه أحدٌ.وإذا حصل أن سُبقَ إليه فلا يكون ذلك إلاّ من باب توارد الخواطر والتقاء الحافر بالحافر .وهذا هو المفهوم الصّحيح للإبداع .ولو أخذ به كلّ هوّاة الكتابة الأدبيّة لأراحونا من مئات الكتب العاديّة – والعاديّ في الفنّ رديء-  فضلا عن الرّداءة بالمفهوم المتداول .وهي امتلاء النّصوص بالأخطاء اللّغويّة السّطحيّة والانطباعات السّاذجة .

وممّا أستحضره عن هذا الكاتب أنّ أوّل نصّ قرأته له هو قصّة بعنوان”عائشة” صدرت سنة 1968 ب”مجلّة الإذاعة” التّونسيّة .وكنت إذ ذاك تلميذا في التّعليم الثّانوي .لكنّ اسمي كان متداولا في السّاحة الثّقافيّة .فلفتتني طريقة مؤلّفها في بناء أحداثها ورسم ملامح شخوصها.فالبطلة (عائشة)معلّمة  أو أستاذة تُلقي درسا على تلاميذها في فصلها، إلاّ أنّ الكاتب جرّدها وإيّاهم من معظم ملامحهم الجسميّة ،مقابل إسهابه في وصف قاعة الدّرس وتكثيفه الإشارات إلى أحداثٍ بصدد الحدوث خارجها وإلى تشتّت انتباه التّلاميذ وعدم اهتمامهم بالدّرس .وفي ذلك نقد ضمنيّ محتمل للنّظام التّعليميّ الذي كان قائما وقتذاك.

وفي بداية الموسم الثّقافيّ الموالي – وكنت قد انتقلت إلى الدّراسة بكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس – نظّم المركز الثّقافيّ الألمانيّ بمقرّه الكائن آنذاك بشارع فرنسا أمسية شعريّة ألقى فيها سمير العيّادي “قصيدة” من جنس خاصّ أثارت بعض ردود الفعل في القاعة ، إذ صاح أحد الحاضرين : “أوهذا أدبٌ؟” .وكان معنا المؤرّخ المرحوم عثمان الكعّاك .فردّ عليه في لهجة ساخرة : “ما هو الأدبُ؟” فتعالت في القاعة  قهقهات الحاضرين ، لأنّ ذلك السّؤال كان عنوانَ كتابٍ لجان بول سارتر (Jean Paul Sartre )  وصلنا منذ بضعة أيّام وكان حديث الخاصّ والعامّ في السّاحة الثّقافيّة.

ومن الطّرائف التي لا تزال عالقة في ذهني أنّ سمير العيّادي نشر في أواخر السّتّينات نصّا بمجلّة “ثقافة” التي كان يديرها وكانت تصدر عن دار الثّقافة ابن خلدون عنوانه “صفحةٌ بيضاءُ”.وكان صفحةً بيضاءً حقًّا إلا من العنوان واسم الكاتب .وبعد أيّام قليلة

وممّا أذكره أيضا أنّ سمير العيادي  كان يكتب في ذلك الوقت نصوصا ليست شعريّة ولا قصصيّة ولا مسرحيّة وإنّما يمزج فيها هذه الأجناس الثّلاثة .فأعددتُ عنها دراسة صدرت في حلقتين بملحق جريدة”العمل” الثّقافيّ .وقد اقترحت فيها تسمية ذلك اللّون من الكتابة”الكتابة الشّاملة”.

وفي سنة قرأت 2006مقالا لجامعيّ تونسيّ من كلّيّة صفاقس بمجلّة ” شؤون ثقافيّة “الليبيّة عدّ فيه هذا الضّرب من الكتابة جديدا وغالى في التّنويه به. وهو لا يعلم أنّ سمير العيّادي ومحمود التّونسيّ سبقا إليه وعلى نحو مكثّف مقبل ذلك بأكثر  من أربعين عاما.

ومن الأحكام التي أشهد بها لفائدة هذا الكاتب أنّ عزّ الدّين المدني رائد التّجريب في الأدب العربيّ ومؤسّس حركة الطّليعة في تونس قال لي ذات يوم  باللّغة الدّارجة التّونسيّة  ” سمير العيادي كاتب قويّ ياسرْ” أي إنّه  يتمتّع بقدرات إبداعيّة خارقة.والمعلوم أنّ المدني كان ولا يزال يحصر أعضاء حركة الطّليعة التّونسيّة في أربعة هم : هو نفسه المؤسّس وسمير العيّادي ومحمود التّونسيّ ومحمّد الحبيب الزنّاد .وكانت تربط بين هؤلاء علاقات متينة وكانت مواقفهم منسّقة دائما.

ويحسب لسمير العيّادي أيضا إحداثه في أواخر السّتّينات “نادي الخميس الأدبيّ” بدار الثّقافة ابن خلدون .فكان يجتمع فيه أدباء الطّليعة وغيرهم ليتبادلوا   الآراء حول التّقنيّات الجديدة في الكتابة وليناقشوا آخر القضايا المثارة في السّاحة الثّقافيّة .

ولهذا الكاتب الفضل في تنظيم أوّل ندوة عن البنيويّة بتونس0 وكان ذلك في سنة 1972.وقد أسهمت فيها  أنا وحسين الواد وسالم ونيّس وصالح القرمادي وعمر حميدة بمحاضرات.فأحدثت تلك النّدوة ضجّة داخل القاعة ثمّ خارجها استمرّت عدّة أسابيع .وقد صدرت أشغالها في العدد 8 من مجلة “ثقافة”  ( 1972).وطلب منّي الأستاذ توفيق بكّار أن أعيد إلقاء محاضرتي على الطّلبة في حصّة من حصص دروسه بمدرج كلّيّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس ففعلت ثمّ طبعها ووزّعها عليهم .

لكن لسمير العيّادي –رحمه الله- ككلّ الناس بعض العيوب .وهل يوجد إنسان كامل؟ فلطالما اشتكى لي منه المرحوم الرّسّام والكاتب الطّليعيّ محمود التّونسيّ الذي كان عضوا في هيئة تحرير مجلّة ” ثقافة”. فكان يقول لي “سمير مستبدّ برأيه .فلا يقبل أيّ مقترح يتقدّم به إليه أعضاء الهيئة مهما كانت وجاهته.”وقال لي : “لولا يقيني أنّ استقالتي سيستغلّها أعداء حركة الطّليعة ضدّنا لكنت قد استقلت منذ زمن طويل .”

وقد لمست هذا التعصّب للرأّي عنده في حذفه كلمة “بن”من اسمي فكان يكتبه”محمّد صالح عمر” بدلا من “محمّد صالح بن عمر”في جميع المقالات التي نشرها لي بالمجلّة رغم احتجاجي مرارا وتكرارا على ذلك ورغم علمه بإصراري على استعمال تلك ال”بن،تمسّكا منّي بهويّتي التّونسيّة إذ وردت في أسماء أعلام تونسيّين كبار منهم عبد الرّحمن بن خلدون وعلي بن غذاهم ومحمّد الطّاهر بن عاشور .

هذا هو سمير العيّادي الذي عرفته عن قرب حتّى أواخر سنة 1972 ثمّ افترقت طريقانا.فلم نعد نتقابل إلاّ مصادفة في الطّريق العامّ أو في بعض النّدوات .لكنّي ظللت أتابع نشاطه الأدبيّ والمسرحيّ. فقرأت كلّ ما نشر وشاهدت كلّ المسرحيّات التي أصدرها أو مثّل فيها.وهو ما جعلني أتيقّن دائما من أنّ انطلاقته الأولى كانت صحيحة، لأن تجربته قد تعمّقت مع مرور السّنين فاكتسبت قدرا متزايدا من التّماسك والصّلابة أهلّها ،كما ذكرت في البداية ،لأن تعدَّ من أهمّ التّجارب الإبداعيّة في الأدب التّونسيّ المعاصر.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*