الشّاعرة السّوريّة سوزان إبراهيم ل”مشارف”(الجزء الثّاني) : الشّعر هو معركتي الأجمل مع الحياة

بمناسبة صدور المجموعة الشّعريّة الرّابعة للشّاعرة السّوريّة سوزان إبراهيم عن دار ليندا للنّشر بالسّويداء بسورية وقرب صدورها بالفرنسيّة  في باريس أجرينا معها هذا  الحوار لنستطلع  رأيها في هذا الحدث وفي قضايا أخرى لها صلة بتجربتها الإبداعيّة وبالحركة الأدبيّة في سورية اليوم عامة :

15301290_1255996907813239_918522636_n-1

سوزان إبراهيم

13501749_10206949918049676_7550487037074692900_n

670016_lcl_c14_7

14064139_10207317181271027_8620868357337660292_n

0-5-2

 

1- ما يقوم به الشّعراء في شبكات التّواصل الاجتماعيّ من تعيين أصدقائهم لقراءة ما ينشرونه من نصوص : أهو مفيد حقّا بما قد يوفّره من فرص لتبادل الآراء في شأن القضايا الإبداعيّة  أم هو على العكس مضرّ، لما قد يشجّع عليه من استفحال ظاهرة المجاملة والزّيادة في تأزيم وضع النّقد؟

 

***إنّ أوّل ناقدٍ للنّصّ هو الكاتب نفسه. وكلّما تعمّقت تجربته الكتابيّة كان أقدر على الحكم فنّيّاً  في شأن نصّه، لأنّه سيكون حريصاً على ما بناه طوال سنوات من التّعب والجهد. أمّا الشّعراء الجدد ومن يسلك الأميال الأولى في مسيرة الألف ميل، فلابدّ لهم غالباً من ناقدٍ ذي كفاية معروفة، حياديّ، مشهود له بالنّزاهة. ففي هذا فائدة أكبر. أرى أنّ ظاهرة قراءة الشّعراء لنصوص بعضهم بعضا لا تخلو من فائدة. لكنّ هذا يعود إلى مدى عمق التجربة النّقديّة والفنّيّة وتأصّلها ليكون الحكم صائباً. وكلّ هذا صادق إن افترضنا أنّ الشّاعر الجديد حريص على الارتقاء بنصّه. أمّا من يركن إلى كلمات المديح المجّانيّ- وهي كثيرة جداً كالطّوفان على شبكات التّواصل الاجتماعي- فلا أظنّه سيرتقي سلّم الكتابة ولو درجة واحدة. أكثر الأشياء قتلاً للتّقدّم الحقيقيّ هو هذه المجاملات الفارغة التي تصنع مجرّد أبطال من ورق سرعان ما تشتّتها رياح النّقد الجاّد والذّائقة الفنّيّة لمتلقٍّ مميَّز.

 

2- من أبرز سمات الفترة الحاليّة التي تمتدّ منذ هجوم أمريكا وحلفائها على العراق عدم ظهور رموز جدد في الشّعر العربيّ مقابل تكاثر الشّعراء بأعداد وافرة جدّا وعلى نسق حثيث .وذلك لأنّ الدّول العربيّة واتّحادات الكتّاب المرتبطة بها لم تعد قادرة على فرض أسماء دون أخرى .فهل هذه الظّاهرة علامة صحّيّة لأنّها مظهر من مظاهر “الدّيمقراطيّة الشّعريّة” أم هل هي سلبية لأنّ الشّعراء الجدد في حاجة إلى آباء يتربّون في أحضانهم ومن دونهم يكونون في حالة يتم ؟

 

 ***لطالما كان الشّعراء المميَّزون القادرون على إحداث طفرة أدبيّة في الشّعر العربي قلائل. ومازال الشّعراء الرّموز في تاريخ الأدب العربيّ هم أنفسهم منذ عقود وهم أنفسهم الآباء الشّعريّون لأجيال لاحقة عدّة. أرى أنّ الحاضنة لابد منها. فما من واحد من أولئك الشّعراء الرموز تسنّم قمّة المجد بمفرده.بل  كان وراء كثير منهم مؤسّسات وأحزاب وسلطة ما. أمّا اتّحادات الكتّاب فهي ما عادت أكثر من روابط نقابيّة تدير شؤون أعضائها على هذا المستوى فقط. وأعتقد أنّ كثيرين منّا فقدوا إيمانهم بقدرتها جميعها أو بعضها على فرز أسماء وازنة على السّاحة الأدبيّة. الأجيال الشّعرية الجديدة عمليّاً يتيمة بوجه أو بآخر. لكن مازال تأثير الروّاد واضحاً عند كثيرين منهم. الزّمن وحده كفيل بطلوع أسماء جديدة جيّدة. وعلى المجتمع المدنيّ والأهليّ أن يتولّى دعم بعض المميَّزين، ببعث مشروعات ثقافيّة حقيقيّة تنهض بالمستوى الأدبيّ، فما عادت الثّقافة وظيفة حكوميّة. وما هي في الأساس كذلك .

 

3- من السّمات اللاّفتة أيضا للمرحلة الحالية في الشّعر العربيّ الخفوت المتزايد للشّعر الموزون وخاصّة العموديّ منه مقابل إقبال الشّعراء الجدد على قصيدة النّثر والنّثر الشّعريّ وأنت واحدة من هؤلاء.فكيف تعلّلين هذه الظّاهرة ؟

 

***هذا منطق سيرورة الحياة. وهذا ما يجب أن يكون. فلكّل مرحلة شعريّة صوتها وخصائصها وروّادها. كان المغرب العربيّ أسبق في انتشار قصيدة النّثر كما لاحظت ذلك قبل سنوات. فالمشرق العربيّ تردّدت أجياله الجديدة كثيراً قبل حسم النّقاش لصالح القصيدة الجديدة، رغم أنّ الجدل البيزنطيّ مازال دائراً حول المصطلح نفسه: “قصيدة النّثر” . إنّ التّطوّر يفرض نفسه في النّهاية. لقد تشكّلت لدى المتلقّي العربيّ ذائقة شعريّة جديدة تميل غالباً إلى قصيدة النّثر التي تعمّقت جذورها بعد عقود طويلة من تأسيسها في المشرق العربيّ بتأثيرات غربيّة واضحة. فلطالما كان الغرب سبّاقاً إلى الخلق والتّنظير له. التّغيير في المجال الثّقافيّ يأتي بطيئاً جدّاً وعبر التّراكم. ومع دخول كلّ مظاهر الحضارة الغربيّة في طريقة عيشنا، كان لابدّ أن يؤثّر هذا بنسب متفاوتة على التّلقي. صحيح أنّ الجمهور العربيّ مازال يطرب للقصيدة العموديّة التي تلقى على المنابر. لكنّ القارئ المتميّز، صاحب الذّائقة العالية يركن إلى القراءة. وقصيدة النّثر قصيدة للتأمل والتّفكر وهي تحتاج متلقّين من نوع خاصّ. أرى أنّ المستقبل يحمل الكثير من التّفاؤل والنّجاح لقصيدة النّثر حتّى على مستوى التّلقّي لدى الجمهور العاديّ. ونحن مازلنا نناقش أحقّية قصيدة النّثر وأهميّتها في البلاد العربيّة ،صار الغربيّون يكتبون نصّ ما بعد الحداثة، نصّاً مفتوحاً تتجاور فيه أشكال وأنواع أدبيّة عدّة .

 

4- باعتبارك من أقدم أعضاء الفريق الشّعريّ العالميّ الذي انتخبته  النّاقد التّونسيّ محمّد صالح بن عمر في السّبع سنوات الأخيرة ما رأيك في التّجارب الشّعريّة لرفاقك  داخل هذا الفريق؟ فهل وجدتها مختلفة كثيرا عمّا عهدته من الشّعر العربيّ أم هل شواغل أصحابها وأساليبهم مطابقة لشواغل شعرائنا وأساليبهم ؟

 

***من البديهي أن يكون هناك اختلاف في الموضوعات  المطروقة شعرياً أو حتّى في طريقة التّناول واختلاف في قاموس المفردات وفي الصّور.فأولئك الشّعراء هم  نتاج ثقافة مغايرة. أعتقد أنّ لدى شعراء الضّفة الشّمالّية من المتوسّط  مثلا مساحة أكبر للتأمّل والرّاحة والقدرة على التّعبير عن الحبّ بطلاقة وصراحة نفتقدها. ولديهم مساحة أصغر من الممنوعات وغالباً لا رقابة تُصادر كلماتهم. لديهم الوقت والأدوات المساعدة لابتداع صور بسيطة ،عميقة كما هي حياتهم. بعضهم مشغول بالحبّ، بعضهم مشغول بحالته النّفسيّة، بعضهم متشابك مع هموم الإنسانيّة وويلات الحرب في دول اشتعالها. أرى أنّ معظمهم يكتب شعراً جميلاً،بسيطاً، رشيقاً.

 

5- لوحظ ركونك إلى “الصّمت الشّعري” منذ صدور مجموعتك صرت الآن غابة .أ يتعلق الأمر بوقفة تأمّل أم ستفاجئيننا بعمل شّعريّ جديد؟

 

***هذا أمر طبيعي. لقد أفرغت حمولة القلب والعقل في نصوص مجموعتي الأخيرة صرتُ الآن غابة. أحتاج الآن إلى وقفة تأمّليّة لمراجعة ما كتبت انطلاقاً من حرصي على عدم تكرار نفسي، إن استطعت إلى ذلك سبيلاً. هي استراحة محارب يحاول استعادة طاقته التي فقدها في آخر معركة. والشّعر هو معركتي الأجمل مع الحياة. أحاول بالتّريّث، في كتابة جديدي، البحث عن موضع دهشة جديد.. عن حقل لم أحرث تربته بعد.. أحرص على أن تكون المجموعة القادمة مغايرة لما سبق أن نشرته. من هنا يكون الصّمت وسيلة ناجعة. وللسّفر والتّجول في الطبيعة والاستماع إلى الموسيقى حصص وافرة في إعادة رسم خريطة الخيال والمفردات وبناء علاقات جديدة فيما بينها جميعاً.

تعليق واحد

  1. Avatar
    Mohamed Salah Ben Amor

    سالم محسن
    مساء الخير. وردت من قبل السائل عبارة (النثر الشعري )بجانب مصطلح (قصيدة النثر) ،في تصوري ان (النثر الشعري يستخدم في البلاد العربية اكثر، خاصة في بدايات الكتابة بهذا النوع من الشعر ،ولكن التسمية المعروفة في عالم الشعر كله تعرف ب(قصيدة النثر ) تمنيت ان نغادر التسمية العربية(النثر الشعري )لكونها لاتشير الى الشكل (القصيدة ) ..في الختام ،كان اللقاء كأوله ممتع ومفيد وأتسم بالوضوح والجرأة ..خالص التحايا

    أهلا بك ، قصيدة النّثر جنس شعريّ نظّرتْ له الباحثة الفرنسية سوزان برنار في أطروحتها الموسومة بقصيدة النّثر من بودلير إلى أيّامنا هذه وناقشتها في الخمسينات .وهي تخضع أساسا للشّروط الفنّيّة الثّلاثة التّالية : اللاّزمنية (اجتناب الحكي ) والتّكثيف( مراكمة الإيحاء والصّور على صعيد كلّ عبارة) والتّوهّج(الصّور المباغتة) .
    أما النّثر الشّعريّ فهو يطلق على نصوص تتألّف من فقرات لا من أبيات لكنْ يُستخدم فيها الإيحاء والصّور على نحو مكثّف .وقد كتب في هذا اللّون الرّومنسيّون الفرنسيّون مثل شاتوبريان ولامرتين ومن العرب جبران ومي زيادة وأمين الريحاني وأبو القاسم الشّابي وقد سمّوه شعرا منثورا. وهي ترجمة خاطئة للعبارة الفرنسيّة Prose poétique أي نثر شعريّ.

    سالم محسن
    سالم محسن
    استاذنا العزيز .نعتذر عن عدم تكملة السؤال لخلل خارج الارادة ،وقد أكملت بقية السؤال .شكراً لردك الكريم
    J’aime

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*