حوارات مجلّة”مشارف”: 21 – مع الشّاعرة الإسبانيّة الكنديّة ألينا مارتيناز

ألينا مارتينازألينا مارتيناز


من هي هيلينا لوز مارتيناز؟
هيلينا لوز مارتيناز شاعرة كنديّة من أصل إسبانيّ.تعيش بمدينة مونريال بالكندا منذ سنّ السّادسة. زاولت دراستها بجامعة لافال بالكيباك.تشتغل مرشدة نفسيّة اجتماعيّة بمركز النّساء بمونريال. كتبتْ جلّ قصائدها بالاشتراك مع الشّاعر المغربيّ محمد القُشّ.واختيار الكتابة مع شاعر معيّن لا يفسّر إلاّ بوجود قواسم مشتركة معه في تصوّر طبيعة الفنّ الشّعريّ ووظائفه .وأبرز هذه الجوامع ، في ما يبدو،اثنان : الأوّل هو الرّومنسيّة المكافحة كما هي عند الشّعراء الرّومنسيّين العرب وفي مقدّمتهم جبران خليل جبران وأبو القاسم الشّابّي. وهو ما يتجلّى في ما ترسمه من لوحات كارثّيّة للأوضاع التي تتخبّط فيها البشريّة وفي اختيارها الوقوف إلى جانب الملاعين في هذه الدّنيا .لكنّها لا تفتأ، مثل جبران والشّابي أيضا ، نتيجة دون شكّ لحساسيتها الرّومنسية المتوقّدة ، أن تركن إلى ضرب من العزلة التأمّلية .والقاسم المشترك الآخر هو الحلم بجنّة وهميّة في المستقبل تحلّ فيها السّعادة والنّشوة محلّ الآلام التي يشتكي منها الشّعراء.فنّيّا يتدفّق ملفوظها الشّعريّ بشلاّلات من الصّور تتوالى على نحو سريع ، محدثة انطباعا بالوفرة والغزارة.

السّؤال الأوّل : أنتم كنديّة من أصل إسبانيّ.هل بقيتم على صلة مّا ببلدكم وثقافتكم الأصليّين؟

ألينا مارتيناز : قبل كلّ شيء لا يسعني أستاذ محمّد صالح بن عمر إلاّ أن أشكرك على وجاهة أسئلتك وجدّيتها ، هذه الأسئلة التي تشهد على احترامك للشّعر واهتمامك به وعلى موقفك هذا نفسه من الشّعراء الذين يعهدون لك بقصائدهم .وذلك دون اعتبار الجنس والأصل والثّقافة والسّنّ والعقيدة الدّينيّة والمنزلة الاجتماعيّة حتّى لا تكون العناية إلاّ بتلك الرابطة المشتركة التي تجمع بيننا كلّنا هنا .وهي حبّنا للشّعر.
لأجيب إجابة ملائمة لسؤالك الأوّل أعيدُ ما قاله أمين معلوف
في كتابة الخواطري “الهويّات القاتلة” لا أعتقد أنّي أصيلة هوّيّة واحدة بل هوّيّات متعدّدة.صحيح أنّي من حيث الدّم والجذور إسبانيّة الأصل دون أن أنسى مزاجي اللاّتينيّ. لكنّي مع ذلك أحسّ بأنّي أيضا فرنسيّة لأسباب مختلفة منها أنّي تعلّمت اللّغة الفرنسيّة في فرنسا، تلك اللّغة التي زرعت فيّ عشق الكلمات والشّعر والكتابة .ومع ذلك فأنا أيضا ابنة الكيبيك والشّمال قلبا وعقلا ،لأنّ الكيبيك تبقى الأرض التي احتضنتني.ومع هذا أكنّ محبّة خاصّة للغتي الأصليّة، ألّلغة الإسبانيّة التي تعود بي إلى أفضل أوقات عشتها في حياتي وهي التي قضّيتها في المهد وبين الأحضان التي غمرتني عطفا ، أحضان جدّتي إسبيرنزا(أمل).و إنّ عندي علاوة على ذلك في قمطري قصائد لا تكاد تحصى باللّغة الإسبانيّة.في الحقيقة أنا قبل كلّ شيء مواطنة من مواطني العالم.وهي حقيقة آخذة في الانتشار منذ حلول عهد العولمة.

السّؤال الثّاني :نشرتِ مجموعتين شعريّتين في فرنسا.هل يمكن أن نستنتج من ذلك  أنّ المناخ الثّقافيَ  السّائد بكندا ليس  ملائما لتفتّق المواهب وتشجيعها في مجال الشّعر؟

ألينا مارتيناز : في الحقيقة مثلما أكّده الشّاعر محمّد القوش تدعم دور النّشر النّثر أكثر من الشّعر.لكن ينبغي أن نفهم أيضا أنّ الثّقافة  والفنّ بكثير من البلدان في هذا العهد التّكنولوجيّ والاقتصاديّ لا يؤلّفان موضوعا مهمّا يشغل الحكومات في الأنظمة السّائدة ولا حتّى الحكومات السّابقة لها.على أنّه ينبغي الإقرار بأن الشّعر أضحى منذ بضع سنوات يلقى شيئا من الاهتمام لدى المواطنين وصار على نحو محزن ضربا من  “الاتّجاه”.نعم محزن إذ رّبما يكون هذا الاهتمام عرضيّا عابرا لا غير ؟ ومع هذا فقد ظهر في الكيبيك ولا يزال شعراء كبار وشاعرات كبيرات أضحوا يؤلّفون  الأغاني ويؤدّونها. ويبدو أنّه من السّهل أن ننسى أنّ كلّ الأغاني هي قبل كل شيء قصائد وأنّ الأمر كان دائما كذلك منذ أقدم العصور.

 

 

 السّؤال الثّالث : عددٌ مهمّ من قصائدكم ينزّل شعركم في ما يمكن تسميته”الرّومنسيّة النّضاليّة”، تلك التي خصيصتها الأولى هي الوقوف إلى جانب ملاعين الأرض.فهل تعتقدين أنّ الشّعر قادر على إنقاذ البشريّة من آلامه ؟

ألينا مارتيناز : هذا سؤال ممتاز .ولأكون نزيهة أقول إنّي نظرتي دائما إلى الحياة كانت دائما نظرة شعريّة.ومن الصّواب تماما القول إنّ لي روحا رومنسيّة بل موغلة في المثاليّة إلى حد الوهم …وأقصد بذلك أنّه   في ما يخصّني لديّ استعداد فطريّ لإدراك روح الأشياء و أعماق الحياة والإحساس بهما.وزيادة على ذلك أحبّ الإنسان حبّا لا حدود له. وهذا يتماشى مع ما ينتابني من ألم أمام مظاهر الظلم النّابعة من طبيعتنا البشريّة .فالكتابة عندي في المقام الأوّل تنفّس يتيح لي الفرصة لطرح تساؤلاتي  عمّا لا أستطيع فهمه ولكن أيضا لتذوّق الجمال الذي يجد دائما ثغرة في أحلك  المشاهد المظلمة لإضاءة عالمنا وإظهاره من زاوية مختلفة.

أعتقد أنّ الشّعر دون أن تكون له القدرة  على تخليص البشريّة من آلامها وأوجاعها  يمدّ إلينا مفاتيحِ بُعْدٍ هو في الأغلب مهمل ومع ذلك لا مندوحة عنه لتطوّرنا  أي لتطوّر إحساسنا وعقلنا وروحنا  تماما مثل خيالنا الإبداعيّ.

هنا سأنقل ما قالته المنشّطة  التّلفزيّة السّيّدة بسكال ساي التي تحدثت في إحدى حصصها على القناة Musiq’3 RTDF عن بحث أجرته منذ فترة قصيرة صحيفة “القواردن” Guardian البريطانيّة حول  أهميّة الشّعر فتساء لت عن الكيفيّة التي بها يستطيع الشّعراء إنارة  أحلك اللّحظات  في حياتنا.

فقالت إنّ الجواب يوشك أن يكون بديهيّا :

“في عالم مفتون بالنّشوة التكنولوجيّة إلى حدّ فقدان التّوازن، في عالم كلّ شيء يُقَوَّمُ ويُشترى ويباع للشّعر فضائلُ تُعِين على الاستقرار النّفسيّ.فالشّعر يهدّئنا ويقدّم لنا السّند الذي نحتاجه  ويؤصّلنا  لكن لأيّ أمر؟

ولمّا كان الشّعر صوتا ، صوت شخص آخر فينا فإنّنا حين نقرأ بيتا شعريّا أو نفكّر فيه أو في سطر من النّثر ونخرج بذلك  من فكرة ضرورة الرّبح أو النّفعيّة ، يصبح هذا الصّوت القادم من بعيد داخليّا متلبّسا بذواتنا ونحسّ بأنّه مفيد وأمين .وذلك لأنّ الشّعر الذي نبذل بعض  الجهد لحفظه يبقى في ذواتنا إلى الأبد ، إذ هو يغذّينا  في مستوى داخل دواخلنا وفي الوقت نفسه يبعدنا عن المركز .فالشّعر بهذا المعنى هو الطّريقة التي يشتغل وفقها العالَم”.

السّؤال الرّابع :هناك خَصِيصة أخرى ليست أقل بروزا في شعركم هي بعده الإنسانيّ  اللاّفت.هل ثمّة علاقة بين هذا البعد و وظيفة المرشدة الاجتماعيّة التي تضطلعون بها في مركز النّساء  بمونريال ؟

ألينا مارتيناز:  دون أدنى شكّ أنا ما أكتبُ وما أكتبُ هو أنا وبين الخطوتين لا يوجد أيّ فارق ملحوظ. وشعري لا يمكن أن يكون إلاّ إنسانيّا لكون وظيفتي مرشدة وللبعد النّفسيّ الاجتماعيّ الذي وسم مسيرتي الشّخصيّة والمهنيّة على حدّ السّواء.

 

السّؤال الخامس :لنأتِ الآن إلى تجربة الكتابة الثّنائيّة التي خضتموها مع الشاعر المغربي محمد القوش.ألا تعلمون أنّ هذا الضّرب من الكتابة لا يمكن أن ينجح إلاّ إذا  توفّرت لدى الشّاعرين اللذين يكتبان نصّا واحدا خصال مشتركة ؟فما رأيكم في هذه المسألة؟

ألينا مارتيناز : لك الحقّ  في ما قلته كلّ الحقّ .فأنا مقتنعة بأنّ لي ولمحمّد القوش روحين متقاربتين على نحو يسهّل لأيدينا الأربع أن تتّحد في تحليقات شعريّة (لكن كم هي واقعيّة ) توجب الاحترام وتتّصف بالتّناغم ،إلى حدّ أنّ من يعرفنا نحن الاثنين عن قرب لا يستطيع أن يحزر من  منّا كتب هذا البيت أو ذاك.ومثلما قال الشّاعر بول ألوار “لا توجد مصادفات . فليس ثمّة إلاّ المواعيد”.أنا مقتنعة بأنّ هذه الهديّة الثّمينة جاءت كلاّ منّا في الوقت المناسب.وفي ما يخصّني كنت قبل أن أخوض هذه التّجربة أقرأ بإعجاب شعر محمّد القوش .ولمّا كنت بطبعي متحفّظة فقد أربكني طلبه ، لاعتقادي أنّي لست في مستوى الموهبة الثّابتة   التي يتمتّع بها ، إلاّ أنّه مكّنني بفضل صبره ولطفه واحترامه لشخصي من أن أكتسب الثّقة في نفسي وأن أخاطر بكل تواضع بالإساءة إلى جمال الكتابة المشتركة .و من جهة أخرى لا يزال الكثير من هذه القصائد المشتركة مخطوطا لأنّ لنا مشروع نشر ديوان مشترك.وهكذا فكلّ قصيدة من هذه القصائد تنام الآن في قفّتها الافتراضيّة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*