الهادي نعمان الشّاعر الكريم: محمّد صالح بن عمر

من الشّعراء التّونسيّين الجيّدين المنسيّين في بلدهم المرحوم الهادي نعمان (1927 -1993) الذي عرفته منذ السّتّينات أيّام كنت تلميذا في التّعليم الثّانويّ من خلال الصّفحات الثّقافيّة لجريدة”العمل” التي كان يشرف عليها والقصائد التي كان ينشرها بمجلّة”الفكر” والصحف.
لقد لقيته في الجملة ثلاث مرّات .والصّورة التي ظلّت راسخة في ذهني عنه أنّه رجل كريم إلى درجة لا تصّدق.
كان أوّل لقاء جمعني به سنة 1971 بمقهى بلجيكا الذي كان يوجد بشارع الحرّيّة في مكان جامع الفتح اليوم.كنت رفقة الشّعراء محمّد مصمولي والميداني بن صالح وحمّادي التّهامي الكار والنّاقد حسين الواد حين قدم الهادي نعمان وانضمّ إلينا.وقد حدّثنا بتلك المناسبة عن ديوان قال إنّه يعتزم نشره عنوانه في الصّميم .لكن ذلك الدّيوان لم ير النّور فيما بعد.وحين نهضنا لمغادرة المكان سبقنا إلى النّادل ودفع ثمن ما استهلكنا.
والمرّة الثّانية كانت في سنة 1972. وقد كنت إذّاك أستاذا بجزيرة قرقنة الواقعة في الجنوب الشّرقيّ من البلاد التّونسيّة في عرض مدينة صفاقس وفي عطلة الشّتاء كنت في العاصمة. وذات يوم كنت رفقة زميل لي يدرّس معي بالمعهد نفسه واقفين أمام شبّاك التّذاكر لدار الثّقافة ابن رشيق لمشاهدة شريط سينمائيّ .وفجأة سلّمنا رجل كان واقفا أمامنا في الصّفّ تذكرتين اقتطعهما لنا.ذلك الرّجل هو الهادي نعمان الذي لم يلتق بي ،كما قلت ،إلاّ مرّة واحدة ولم يكن يعرف رفيقي البتّة .
والمرّة الثّالثة كانت في سنة 1973 حين كنت أدرّس بمعهد الفتيات بسوسة .ولمّا كنت أعزب فقد كنت أتناول طعامي في مطاعم المدينة .وذات يوم فيما أنا جالس بأحد المطاعم إذ دخل الهادي نعمان يحمل محفظة كبيرة – وقد  كان يدرّس بمسقط رأسه مدينة المنستير القريبة من سوسة  – وجلس إلى مائدتي.وقد قال لي كلاما لم أنسه : “تونس لا تعرف كيف تفيد من كفايات أبنائها .فشخص مثلك كان ينبغي أن يكون على رأس مجلة ثقافيّة كبرى بدلا من أن يهدر طاقته في التّعليم .فوظيفة التّدريس التي تضطلع بها ثمّة مئات يمكن أن يقوموا بها بدلا منك”
ومرّة أخرى منعني الهادي نعمان من دفع ثمن ما أكلت.
بعد ذلك بكثير أكدّ لي الكثيرون من أبناء جيله هذه الخصلة النّادرة التي كانت جبلّيّة فيه.
رحم الله الهادي نعمان رحمة واسعة .آمين!

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*