قصّة قصيرة لريتا الحكيم – اللاّذقيّة – سورية: لا مكانَ لي بينَكُمْ

ريتا الحكيم

 

أعترفُ وأنا بكاملِ الأهليّةِ أنّني قاتلٌ مُتسلسلٌ مِنَ الطّرازِ الرّفيع.

أمضيتُ حياتي كلّها وأنا أغرفُ الدّماءَ بملعقةٍ مِنْ حديدٍ

تبدأُ حكايَتي مذ كنتُ جنيناً، تسعةُ أشهرٍ أمضيتُها في رحمِ أمّ تتقلّبُ على أشواكِ المخاضِ العسيرِ، وحينَ رأيتُ النّورَ لأوّلِ مرّةٍ، كانتْ قد لفظتْ آخرَ أنفاسِ صبرِها على الألمِ؛ فأدارتْ ظهرَها لي وللحياةِ، واختطفتْ جناحينِ منْ نورٍ، وحلّقتْ في الفضاءِ.

هذه أوّلُ جريمةٍ ارتكبتُها، بعدَ ذلكَ تتالتْ آثامي، أبي لمْ يحتملْ فقدانَ أمّي؛ فلحقَ بها في اليومِ السّابعِ متأبّطاً حزنَهُ، وعرّج على مضاربِها هناك، ليستقرّ فيها إلى الأبدِ.

جريمتانِ كانتا بمثابةِ شرارةٍ أطلقَها القدرُ، لأبدأَ سلسلةً أخرى منَ الجرائمِ وبأساليبَ مُختلفةٍ.

توجّبَ على أختي الكُبرى أنْ تستأجرَ ثدييْ جارتِنا “كوثر” لتُسكتَ بهما جوعي، لمْ يطبْ ليَ المقامُ في حضنٍ غريبٍ، حينَ بلغتُ الشهرَ الرّابعَ، انتهزتُ الفرصةَ وقضمتُ حلمَتَها بأسنانيَ الصّغيرةِ، صرختْ بملء خوفها وهوتْ في موتٍ عميقٍ تاركةً حلمتَها عالقةً بأسناني.

عاميَ الأوّلُ في المدرسةِ كانَ حافلاً، إذ تسبّبتُ بإصابةٍ بليغةٍ في رأسِ زميلٍ لي، نتجَ عنها أنهُ ما زالَ إلى الآن في غيبوبةٍ تامّةٍ.

في المرحلةِ الإعداديةِ، أستاذُ الدّيانةِ كانَ أحد ضحايايَ، خرجتُ خفيةً منْ حصّتهِ لأنّه بَدَلَ أنْ يشرحَ الدّرسَ كان يتغزلُ بالفتياتِ وحينَ تسألهُ إحداهُنّ سؤالاً، كان يقفز من منبرهِ، وبلمحِ البصرِ يصبحُ على بعدِ قُبلةٍ منْ خدّها، يتمايلُ ويُبرزُ مفاتنَهُ وهو العجوزُ الهرِمُ الذي كادَ أنْ يصلَ إلى سِنّ التّقاعُدِ.

حينَ اكتشفَ غيابي أرسلَ في طلبِ المسؤولةِ الإداريةِ التي بدورِها أحضرَتني واستجوَبتني، لمْ أكذبْ عليها، حكيتُ لها عنْ تصرّفاتهِ الشّائنةِ، نتيجةً لذلكَ، تمّ نقلُهُ إلى مدرسةٍ أخرى.

أستاذ القوميّةِ في المرحلةِ الثانويةِ، لمْ يَسلمْ هو الآخر من شرّي، لكي أُضَيّعَ الوقتَ أسألُهُ أسئلةً لا علاقةَ لها بالدّرسِ، وهو بكل ما أوتيَ مِنْ علمٍ، كما كان يدّعي، يُسهبُ في الشرّحِ، وأنا أتركهُ عامداً متعمداً يستفيضُ في الكلام إلى أن ينتهي، لأقولَ له بعدَ ذلك أنّ كلّ ما ذكرَهُ لمْ يكنْ جواباً عن سؤالي.

هكذا أنا، دوماً أسيرُ عكسَ التّيارِ.

لمْ أندمْ يوماً على ما اقترفتُهُ لأنّني منذُ البدايةِ كنتُ الضّحيةَ التي لا حولَ لها ولا قُوّة.

حين شببت عن الطّوقِ، قرأتُ “بودلير”، و”موليير”، و”دوستويفسكي”، وكل ما عثرتُ عليهِ مِنْ كتبٍ، كانت أختي قد خبأتْها معَ أغراضٍ تخصّ أبي، على سبيلِ الذّكرى.

وجدتُني أشبهُ “بودلير” في سوداويّتِهِ، وتقييمهِ لذاتهِ ككائنٍ يتنفّسُ الكُرهَ بَدَلَ الهواءِ.

مِنْ أينَ لي أنْ أعلمَ أنّ أبي كانَ قارئاً بامتياز، لولا تلكَ المُلاحظاتُ التي دوّنَها على هوامشِ الصّفحاتِ، وكمْ أحسستُ بالحقدِ على نفسي حينَ تعمّقتُ أكثر في دفتر أصفرَ صغيرٍ، كتبَ فيهِ رؤيتَهُ الخاصّةَ بالوجودِ والخالقِ؛ فهو يولي الإنسانَ السّويَ الأهميةَ الكبرى.

ماذا أفعلُ الآن بعدَ أنْ تعرّفتُ على أبي عنْ قُربٍ، وأنا الذي كنتُ سبباً في موتِهِ.

أنظرُ إلى صورةِ أمّي، وأتخيّلُها وهي تصرخُ في وجهِ الحياةِ لتهبَني أنفاسَها، تنفخُ في جسدي روحَها، وتصعدُ بكلّ بهائِها سلّمَ الآخِرة.

أنا الآن، أُطلّ مِنْ نافذةِ البطالةِ الواسعةِ، أعتاشُ على براكينِ قهري، وأقضمُ أفكاريَ السّوداءَ.

أكرهُ المرايا وكلّ الأسطحِ الملساءِ لأنّها تعكسُ قُبحي الذي لا ذنبَ لي بهِ، وشروري التي تجعلُني أقهقهُ ساخراً بعدَ كل انتهاكٍ أرتكبُهُ.

أسدلتُ السّتائرَ على حياتي، منذُ أوّلِ صرخةٍ وستبقى مُسدَلةً حتّى آخِرِ شهقةٍ.