شهادة نقديّة على تجربة فضيلة الشّابي الشّعريّة : محمّد صالح بن عمر

فضيلة الشّابي

 

لعلّ الشّاعرة التّونسيّة  فضيلة الشّابي أغزر الشّاعرات العربيّات بل حتّى العالميّات إنتاجا.فقد أصدرت إلى حدّ الآن وفي ما يقرب من نصف قرن  ثلاثا وعشرين مجموعة شعريّة  وروايتين شعريّتين.ولا تحسبنّ هذا الكمّ الهائل من المؤلّفات صادرا  عن تساهل أو تسرّع .فالمتأمّل في نصوصها كلّها دون استثناء منذ أن بدأت النّشر في نهاية السّتينات يلفته أنّ صاحبتها كمن يحفر في صخر ،إذ هي تكتب بأناة ومعاناة شديدتين نأتا بها عن الوقوع في الغثاثة والابتذال وبذائقة فنيّة عالية سمت بعبارتها عن  المتداول والمعاد.

وفضيلة الشّابي، فضلا عن ذلك، مسكونة منذ خطواتها الأولى  بروح التّجديد والابتكار.فلم تكتب في حياتها قصيدة موزونة واحدة .وقد صدرت  أوّل قصيدة لها تحت تسمية “شعر” رغم أنّها لم تخضع للأوزان الخليليّة في عدد شهر جانفي 1969 من مجلّة”الفكر”. وقد أطلقت المجلّة نفسها على اللّون الذي كَتبتْ فيه اسم “غير العمودي والحرّ” بداية من عدد شهر ماي 1969.وما هذا النّوع من الكتابة الشّعريّة من قبيل قصيدة النّثر، كما ظنّ بعضهم .وإنّما يخضع لثلاثة عناصر تقنية رئيسة تجعله  مختلفا كلّ الاختلاف عن قصيدة النّثر. وهي أوّلا  الحفاظ على القافية في أواخر الأبيات مع تنويعها قدر الإمكان بعد كلّ بيتين أو أكثر- وهو ما يجعل القصيدة من النّاحية الخطّيّة الشكليّة شبيهة بقصيدة التّفعيلة  ثانيا : لزوم السّكون الرّويّ مطلقا باعتبار ذلك من مظاهر استثمار إيقاعات اللّغة الدّارجة التي لا يوقف فيها على متحرّك ،ثالثا : توظيف أساليب النّثر العربيّ القديم الإيقاعيّة لا سّيما الموازنة والمماثلة والتّناسب والتّرصيع ومراعاة النّظير .لذلك يمكن القول إنّه شكل شعريّ تونسيّ بحت ،مثلما أنّ الزّجل شكل شعريّ أندلسيّ بحت .

أما من حيث المحتوى فقد مرت تجربة فضيلة الشابي الشعرية بمرحلتين تتحدّد الأولى من نهاية السّتينات إلى بداية السّبعينات وقد اتّسمت الذّات الشّاعرة فيها  بالثّوريّة والتّمرّد. أمّا الثّانية فتمتّد من نهاية تلك المرحلة إلى اليوم.وقد تحوّلت الذّات الشّاعرة فيها  إلى ذات متأمّلة.

فالذّات الثّائرة  في المرحلة الأولى تعلن  تمرّدها على محيطها، رافعة لواء الكفاح المستميت ضدّ كلّ مظهر من مظاهر التّسلّط والهيمنة، متبنّية مبدأ الرّفض الحاسم للخضوع والإذعان والاستسلام  ، متسلّحة بأمنيات ساحقة تتّجه بها إلى زعزعة أركان الواقع السّائد وتقويض بنيانه وتحويله أعاليه إلى أسافل .وذلك لما يتّصف به من جفاف وظلمة وما يهيّئه للإنسان من نفي واغتراب .

وتتّبع هذه الذّات في مواجهتها لواقعها ثلاث إستراتيجيات هي الاحتماء ب”الأنت”والاندماج في الضّمير الجمعي والمواجهة المباشرة .

ففي الإ ستراتيجيا  الأولى تسمو الذّات المتمرّدة بنفسها عن الوقوع في الحبّ الرّومنسيّ وما ينجرّ عنه من هروب وتعويض واستراحة خادعة ، مفرغة العلاقة بين “الأنا الأنثويّ ” و”الأنت الذّكوري” من كل معنى غرامي مبتذل وموظّفه إيّاها في مقاومة قوى السّلب والشّرّ .

وفي الإستراتيجيا  الثّانية تندمج الذّات الشّاعرة في ذات جماعيّة تحدّد مهامّها في نشر النّور والطّهارة والقيم الإنسانيّة السّامية داخل عالم يلُفّه الدّيجور وتلوّثه القذارة ويشيّئ الكائن البشريّ .

وفي الإستراتيجيا الثّالثة تختار الذّات  الشّاعرة المقاومةَ الفر ديّة المباشرة  على واجهتين : الأولى هي واجهة الصّراع ضدّ الواقع السّائد الذي يناصبها العداء والثّانية  واجهة الحرب ضدّ رواسب الأنوثة السّلبيّة المستقرّة في اللاّوعي الأنثويّ الجماعيّ والمتوارثة خلفا عن سلف على مرّ العصور.

أمّا في المرحلة الثّانية فقد تحوّلت الذّات الشّاعرة في شعر فضيلة الشّابّي إلى ذات متأمّلة ، منقطعة أو تكاد عن الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ ،مكتفية بنفسها ،عازفة كلّ العزوف عن الالتحام ب”الأنت” أو الاندماج في النّحن ، كما أنّها لا تسعى إلى التّغيير ولا إلى التّأثير ، مختزلة ذاتها في عيْنٍ وحدس وكيان : عيْنٍ مفتوحة على الكون الرّحب وحدس يستنطق أسراره وكيان عاطفيّ يتحمّل وزر معاناة البحث ويتفاعل إيجابا وسلبا مع نتائجه.

ومن خصائص هذه الذّات أنّ الحدس لديها يقوم مقام العقل .فمفكّرتها تتعرّض إلى تدمير شامل تتهاوى من جرّائه دعائم المنطق وتتفتّت .فتتعالق المتناقضات ويحلّ العجائبيّ محلّ الواقع .

وليس هذا الكسر المتعمّد لقواعد المنطق ناتجا عن استضعاف المواجهة وإنّما مردّه إلى عدم الاقتناع بمقرّرات العقل ورفض لمقاييسه التي هي في نظر الذّات خاطئة إذ حكمت على الإنسان بالوقوف عند السّطح .

والخصيصة الثّالثة لهذه الذّات المتأمّلة الباحثة عن الحقيقة هي تعطّل الذّاكرة .وقد ترتّب على اختلال هذه الملكة أنّ الصّور التي تفد عليها من العالم الخارجيّ لا تنطبع على نحو طبيعيّ بل يصيبها ما يصيبها من التّشظّي .

لكل ذلك يمكن القول إنّ التطور الذي طرأ على شعر فضيلة الشّابي منذ أكثر من أربعين عاما قد حوّله من شعر بيانيّ عماده البوح بهموم إيديولجيّة واجتماعيّة ونفسيّة إلى شعر  إنشائيّ يرمي إلى إبداع الأفكار انطلاقا من ذات الشّاعرة وبناء عالم مختلف عن العالم المّاديّ الموضوعيّ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*