أرشيف تعاليق محمّد صالح بن عمر النّقديّة على الشّعر:13 : قصائد راشيل الشّدياق : 13-2 : عذراً من عينيكَ

راشيل الشّدياق

 

يا ذا الذي بعينيكَ تقتلني

أما شبعَتْ عيناك من التّلاقي؟

أيّ حنينٍ ذا الذي ألحظُهُ

أيّ عشقٍ ذا الذي يغريني؟

 على أنهرِ الأحرفِ ولِدت كآبتي

 وسلا نحوكَ جنونُ أفكاري

بتيهٍ غزلتُكَ شعاعاً يسحرُني

 يؤجّجُ ناراً سريرَ أحلامي

لِمُقلتيكَ منّي ألفُ سلامٍ

 أصوغها لك بحورَ مُرجانِ

كَسِرِّ دررِها حيكت قواميسُ إبائي

 وعلى شواطِئِها بريقُ شمسٍ لَهْبُ نِدائي

 يا ذا الذي بعينيكَ تأسرُني

 اِنْءَ بعينيكَ فما منكَ سوى تلاقٍ يهزمُني

 

تجسّد الشّاعرة اللّبنانيّة  المزدوجة اللّسان راشيل الشّدياق بكل امتياز الصّوت المتغنّي بالحبّ الرّوحيّ الشّرقيّ الخالص الذي خصّصت له،  إلى حدّ الآن ، ثلاث مجموعات : إحداها باللّغة الفرنسيّة عنوانها أنفاس لا عُمُر والثّانية  وَسَمَتْها بعفوًا منكَ ( تقديم محمد صالح بن عمر ) والثالثة عنونتها بيومَ راقصَني المطر. وفي هذه القصيدة التي ترجع إلى بداياتها الأولى والتي تدور حول محور كلاسيكيّ-  وهو عينا المعشوق- تطلق العنان لحساسيتها ، حساسية عاشقة ولهى على هدي من مخيّلتها الزّاخرة بالرّؤى لتصوير حالتها النّفسيّة الملتهبة المتهيّجة بتأثير من عيني المحبوب السّاحرتين . ومن هنا ، على وجه التّحديد، تستمدّ القصيدة ألْقَها الجماليّ . وذلك لأنّ الشّاعرة قد اهتبلت على نحو  ذكيّ تعقّد الأحاسيس التي تثيرها  فيها تانك العينان ، لتنهمك ، على امتداد النّصّ ، في لعبة توليد دلاليّ مارستها جيئة وذهابا وعلى نحو متقطّع في كلّ الاتّجاهات  بين العينين من حيث هما مصدران للإدهاش (بعينيكَ تقتلني –  أما شبعَتْ عيناك من التّلاقي – أيّ حنينٍ ذا الذي ألحظُهُ – بعينيكَ تأسرُني ) والأنا باعتباره هدفا لنظراتهما الحارقتين العميقتين (أيّ عشقٍ ذا الذي يغريني – ولِدت كآبتي – جنونُ أفكاري –  فما منكَ سوى تلاقٍ يهزمُني) . والرّسالة النّهائيّة التي رامت الشّاعرة إبلاغها من وراء هذا اللّعب الأسلوبيّ  هي  الطّبيعة المتعدّدة الوجوه وغير المحدودة للحبّ الحقيقيّ الذي يبقى ، على الرغم من المتعة العارمة التي يجنيها منه العاشق،  محفوفا بالأسرار ومناطق الظلّ .

فمرحى لراشيل المبتدئة على هذه القصيدة الواعدة التي كانت تعلن ، بكلّ جدية ، عن ميلاد راشيل المديدة القامة الشّاعرة الموهوبة التي نعرفها اليوم .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*