الذاّت الأنثويّة المتوغّلة في الوجود من خلال” الوردة التي …لا أسمّيها “(1) لفاطمة بن محمود – قراءة : محمّد صالح بن عمر

فاطمة بن محمود

فاطمة بن محمود ليست اسما جديدا في السّاحة الثّقافيّة التّونسيّة . فأبناء جيلها من الشّعراء قد عرفوها تشارك في الأمسيات المخصّصة للشّباب  منذ  النّصف الثّاني من الثّمانينات أيّام كانت طالبة في شعبة الفلسفة بكلّية العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بشارع 9 أفريل بالعاصمة . ولكنّ مجموعتها  الشعريّة الأولى تأخّرت باختيار منها إلى سنة 1998  .وهي السّنة التي سَمِعْتُ فيها باسمها  وعرفْتُها  معرفة مباشرة .وذلك بمناسبة رحلة نظّمها اتّحاد الكّتاب التّونسيّين بإشراف  الشّاعر المرحوم الميداني بن صالح   من العاصمة إلى نفطة ( الجنوب الغربيّ التّونسيّ ) للمشاركة في ندوة خُصّصت لأعمال الرّوائيّ والقصّاص الرّاحل  البشير خريّف  أصيل تلك المدينة .

وكان الوسط  الثّقافيّ التّونسيّ في تلك الفترة ومنذ بداية التّسعينات تتهاطل عليه بلا انقطاع  أعداد ضخمة من المجاميع الشّعريّة تجاوزت السّتمائة مجموعة جلّها الأغلب باكورات لمبتدئين ومبتدئات نكرات لا يفرّق أكيسهم بين الشّعر والشّعور ويُذبح الفنّ الشّعريّ على أيديهم من الوريد إلى الوريد . فقلت في نفسي حين أبصرتُ تلك البنت لأوّل مرّة  :  ” لا تكونٌ هذه  إلاّ واحدة من  ذلك الجيش العرمرم !” و تحاشيتها في انتظار أن أسمعها تقرأ الشّعر في إحدى الأمسيات المبرمجة .

ولكنّ الصديق الميداني بن صالح  رئيس اتّحاد الكتاّب التّونسيّين آنذاك – رحمه الله  – المعروف بآرائه المزاجيّة  الفرديّة المباغتة التي لا يقدر أحد على التّنبّؤ بها قرّر في آخر لحظة  أن يختصر الوقت المخصّص للأمسية الشّعريّة في نصف ساعة بحيث لا تستغرق قراءة كلّ شاعر أو شاعرة سوى  دقيقتين لا زيادة عليهما . وهكذا لم أسمع من فاطمة حين جاء دورها لتقرأ  سوى نِتَف لا تقدّم  فكرة  ولو إجماليّة عن مدى تمكّنها من فنّ الشّعر .

على أنّ البنت كانت تخبّئ للحاضرين والحاضرات مفاجأة  مهمّة  .وهي أنّها كانت تحمل في حقيبتها بعض النّسخ من مجموعتها الأولى  التي صدرت منذ أيّام قليلة و عنوانها رغبة أخرى …لا تعنيني . ففيما نحن نستعدّ للرّجوع  وزعّت علينا نسخا منها .  فوضعتُ نسختي  في حقيبتي مرجئا الاطّلاع عليها إلى وقت لاحق .

وفي طريق العودة على متن الحافلة خطرت لي فكرة تصفّح تلك المجموعة دفعا للملل وتمضية للوقت . فأخرجتٌها من الحقيبة ومضيت في قراءتها .  ومنذ الصفحات الأولى وجدتني أقرأ النصّ الواحد وأعيد قراءته  المرّة تلو الأخرى لما ينطوي عليه من عناصر إبهار تخطف الأذهان  وما يفتح عليه من آفاق فلسفيّة وجوديّة رحبة . فكان يجمع  بفضل ذلك بين الألْق الفنّيّ والعمق الفكريّ .  وكنت  قبل ذلك الوقت بثماني سنوات أي في سنة 1990 صدرت لي  عن مؤسّسة “بيت الحكمة ” مختارات من الشّعر التّونسيّ من أواخر القرن التّاسع عشر إلى زمن التأليف أدرجتٌ فيها مائة شاعر وشاعرة  (2). فقلت في نفسي : هذا  دون أدنى شكّ الصّوت الشّعريّ الواحد بعد المائة !

لقد تخصّصت فاطمة بن محمود منذ خطواتها الأولي في الومضة الشّعريّة  وهي جنس شعريّ ينسب خطأ إلى اليبانيّين الذين يسمّى عندهم هايكو  والحال أنّه عريق أيضا في الثّقافة الشّعريّة العربيّة  حيث وجد منذ الجاهلية البيت اليتيم والبيتان القائمان بذاتهما والثلاثة أو الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة أبيات التي سُمّيت  مقطوعات ، تمييزا لها عن القصيدة . وهي التي تتألف من ثمانية أبيات فأكثر .

ومبدأ المباغتة التي تقوم عليه اليوم الومضة الشّعريّة   هو نفسه الذي انبنى  عليه هذا الجنس عند العرب .

من ذلك قول الشاعر :

خاطَ لي عمرٌو قَباَ — ليتَ عينيه سَوَا
قُلْ لمن يعرفُ هذا — أمديحٌ أم هِجَا

عمرٌو هذا كان خياّطا إحدى عينيه عَوْراءُ وقد خاط للشّاعر قَباءً فقال فيه هذين البيتين اللّذين يمكن أن يُؤوّلا على أنّهما في مدحه أو في هجائه .

وفي تونس وجد في القرن التاسع عشر شاعر اسمه محمد العصفوري ترك ديوانا كلّه مقطوعات قصار لا يزال مخطوطا  أشار إليه رياض المرزوقي في أطروحته لدكتوراه الدولة ثم صدرت سنة 1930  مجموعة من هذا القبيل للشّاعر سعيد أبي بكر ( توفي سنة 1949 ) عنوانها  الزّهرات أو زَهرةٌ بعد زَهرة .

و في الشّعر التّونسيّ المعاصر  سبق فاطمة إلى هذا اللّون سوف عبيد في أكثر مجاميعه ومنصف المزغنّي في مجموعته حَباّت  (3).  لكنّ الأهمية ليست للسّبق في حدّ ذاته ما دام هذا الجنس قديما وإنّما لمدى توفّق الشّاعر إلى وسمه على نحو عميق ببصماته الخصوصيّة وتطويعه لتصوير تجربته  الخاصّة مع اللّغة والذّات والآخر والكون . وهذا ما  تعكسه في تقديرنا  ومضات فاطمة بن محمود  الشّعريّة التي  أودعتها  في مجاميعها الثّلاث والتي سنكتفي في هذه المقاربة  لضيق المجال بالتوقّف عند ما ورد منها في مجموعتها الأخيرة الوردة التي …لا  أسمّيها  .

تفتح ومضات هذه المجموعة على عالم شعريّ متماسك   ، علامته البارزة الأولى هي الحضور القويّ شبه القارّ للذّات الشّاعرة . فلا يكاد  الخطاب  الذي يصدر عنها يدور إلا حولها . وهو ما يسمه في الأعمّ الأغلب  بطابع غنائيّ ويحصر فحواه في شواغلها الذّاتيّة . وهي  إمّا منذ المنطلق  من ذلك القبيل  وإمّا تبدأ موضوعيّة  اجتماعيّة  لتتحوّل في النّهاية إلى ذاتيّة فلسفيّة.

ومن ثمّة تعترضك في هذه الومضات شخصيّة  مركّبة  ذات وجه رئيس ثابت هو وجه الشّاعرة  إمّا منفردا وإمّا مُمَهَّدا إليه بوجه  اجتماعيّ عاديّ  كما هو في مضمار الواقع  ،وجه  الطّفلة أو  الأُمّ أو الزّوجة أو المُدَرِّسَة : الأوّل – وهو الأعلى تواترا –  موقعه في بنية الخطاب العميقة والأخرى توجد على سطحه. وهكذا فمن بداية  الومضة إمّا أن  تنكشف لك الأعماقُ مباشرة فتغوص فيها أو أن  يطالعك السّطح ثمّ يكون النّزول بك  منه على نحو خاطف إلى تلك الأعماق. وهو ما يعني أنّ النّتيجة في كّل ومضات المجموعة واحدة بلا استثناء  :  هي الانفتاح  من زاوية مّا على كُنه الوجود الذي عليه مدار شواغل الذّات  الشّاعرة .

ولا تحسبنّ الأمر اختياريّا في كلتا الحالتين . فكلّ الدّلائل  في هذه المجموعة تشير إلى وجود صراع داخليّ مستمرّ  لا هوادة فيه بين شخصيّة الشّاعرة من جهة و الشّخصيات الاجتماعيّة الملاصقة لها وإلى انحياز منشئة الخطاب الصّريح التامّ  في هذا الصراع  إلى شخصيّة الشّاعرة .ومن ثمة فإنّ الومضة تصوّر إمّا حالة من حالات ما بعد الحسم في الصّراع فيكون الحضور للذّات الشّاعرة وحدها وإمّا مظهرا من مظاهر ذلك الصّراع فيكون الانطلاق من عراك بينها  وبين إحدى الشّخصيّات الأخرى يُتوّج دوما بانتصارها .

فلنتفحّصْ أمثلة من هذين اللّونين قبل أن نتوقّف عند الحِيَل الإنشائيّة التي تستخدمها صاحبة المجموعة  لتحقيق الإيماض والإبهار في نهاية كلّ مقطوعة تمشّيا وطبيعة هذا الجنس الشّعريّ.

 1 – الذّات الشّاعرة منفردةً :

إن للومضات التي تصوّر الذّات الشّاعرة منفردة منذ البداية الغلبة كمّيّا في المجموعة . وفيها تلوح تلك الذّات  قد طرحت من ذهنها تماما  الهموم الأرضيّة التي تشغل النّاس في حياتهم اليوميّة  لتنغمس في  لُجَج أسئلة الوجود الحارقة وفي مقدّمتها  أسئلة الإبداع الشّعريّ خاصّة  والفنّيّ عامّة .وأُمّ هذه  الأسئلة قاطبة  هي سؤال الإلهام .

1-1 : الإلهام الشّعريّ  في المجموعة : مفهومه  وتجلّياته وشروطه :

لقد كان الإلهام الشّعريّ فيما مضى يُصنّف في خانة التّفكير الخرافيّ لما دأب عليه القدامى عربا وأجانب من إرجاعه إلى مصدر غير إنسيّ وهو الجنّ . فقد جعل عرب الجاهليّة لكلّ شاعر هاجسا يتلبّس به ويلقّنه الشّعر واشتقّوا العبقريّة من لفظ ” عبقر ” الذي هو اسم واد كانوا يعدّونه موطنا للجنّ يؤمّه الباحثون عن النّبوغ الشّعريّ علّ أن يَسْكُنَهم واحد من تلك المخلوقات الملهمة لفنّ القريض .وهو الاعتقاد نفسه تقريبا  عند اليونانيّين الذين  استعاروا لفظ   ”  Genius     ” (وهو  من مادّة قريبة من المادّة العربيّة ج/ن/ن )   للعبقريّ من اسم كائن أسطوريّ غير مرئيّ كانوا يتصوّرونه على هيئة روح خيّرة أو شرّيرة تتحكّم في مصير الفرد وقد  تسكن موضعا معيّنا  ، نهرا أو غابة أو مدينة مثلا وتهيمن عليه .

ولكنّ علماء النّفس العرفانيّ  -وفي طليعتهم الباحث الأمريكيّ دين كاث سيمنتون ( Dean Kheith Simonton ) (4) جعلوا من العبقريّة  مبحثا علميّا عدّوا حالة الإلهام الفنّيّ  في نطاقه ضربا من الاتّصال الدّماغيّ بمصادر لا تزال غامضة لكن لها صلة بالنّماء الشّديد  لملكات الشّطر الأيمن من الدّماغ  .وهي المخيّلة والحساسيّة والإدراك والحدس وغيرها .

وفي مجموعة الوردة التي لا أسمّيها لفاطمة بن محمود  عشر ومضات تدور حول هذا المحور. وقد استعارت فيها لمصدر الإلهام الشّعريّ  الوردة  بصريح اللّفظ  وفي أخرى  ضمنيّا .

فما هي  صور تجلّي هذه الاستعارة  في  ومضات الشّاعرة ؟ وما هي دلالاتها  الرمزيّة ؟

لنضرب صفحا أوّلا عن الدّلالات الجنسيّة التي حدّدها فرويد للوردة .وذلك  لشكّنا في كونيّتها وعموميّتها  ولاستبعادنا انطباقها على الذّات المنشئة للخطاب في هذه الومضات . فدلالتها  الأقرب في شعر فاطمة بن محمود هي كونها مصدرا للجمال واللّطف والرقّة وعلامة على الحبّ  السامي النقيّ .

ولما كانت هنا رمزا فإنّ التّأويل الأقرب إلى الصحّة هو أنّها لحظة الإلهام الإبداعيّ التي تحلّ بالشّاعرة وتعيش في أثنائها حالة مخاض تفضي إلى إنشاء القول الشّعريّ ويتعذّر عليها مثل ذلك في غيابها .

وهي شبيهة إلى حدّ ما بلحظة الإلهام الإلهيّ التي اختصّ بها الأنبياء والتي يلوح من وصف الرّسول محمّد ( صلعم )  إياّها أنّها حالة ارتباك  قُصْوِيّ . فقد جاء في الحديث النبويّ  الشّريف أنّه حين نزل عليه الوحي لأوّل مرّة رجع يرجف فؤاده مرعوبا ممّا رأى وشاهد وسمع،  فدخل على أمّ المؤمنين خديجة وهو يقول: زمّلوني زمّلوني فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع.( 5 )

تقول فاطمة بن محمود في تصوير مثل هذه الحالة . وهي طبعا أقلّ وقعا وحدّة  من حالة النبيّ الذي ينزل عليه الوحي الإلهيّ  :

كلّما أنظرُ إلى الوردةِ

أتحوّلُ إلى طفلٍ

زائغِ البصرِ

تائهٍ

يتيمٍ …بلا شكّْ

ويَهُونُ أمري

القصيدُ في حضرتِها يرتبكْ

(الوردة التي… لا أسمّيها ص 10 )

ومن خصائص لحظة الإلهام  الشّعريّ أيضا أنّها تحلّ بالشّاعر دون سابق إنذار  لا أن يستدعيها هو أو أن يذهب إليها  . ومن ثمّة ففي حال غيابها يتعذّر عليه الاهتداء إلى العبارة الشّعريّة الوهّاجة  المحقّقة للإبهار مهما فعل . فيصيبه الإحباط و يُمِضّه الإحساس بالعجز .

تقول الشّاعرة في هذا المعنى :

الوردةُ رحلتْ

خلّفتْ في الرّوحِ

ريحَها

وشوكًا … ينغرسُ

 في القلبِ

( المصدر نفسه ص 9 )

أيّتها الوردةُ

رفقًا بأعصابي المحترقةِ

بذاكرتي الحزينةِ

رفقًا بقلبي …اليتيمِ

هدّني هَجْرُكِ

سيّدتي

خَرِبَ روحي

ولا أزالُ بكِ أهِيمُ

( المصدر نفسه ص 13 )

تركتْني الوردةُ

من حدّةِ الوجعِ

أتخبّطُ في شَرَكِ

كلماتي العنيدةِ

( المصدر نفسه ص 25 وص 59 )

لذلك إذا  ما اقتحم الشّويعر و النّاظم و المتصنّع – وما أكثرهم !عددا وكلّهم  بلا استثناء يجذّفون في بركة آسنة عَطِنة  واحدة هي بركة   التطفّل على الفنّ –  هيكل الإبداع الشّعريّ المقدّس امتنع عليهم تدنيسه و رُدّوا لتوّهم  على أعقابهم خائبين  . وهذا ما  صوّرته الشّاعرة أدقّ تصوير في هذا المقطع :

إذا همّتْ بها

الأصابعُ المتعجرفةُ

ينتقمُ الشّوكُ للوردةِ

( المصدر نفسه ص 14 )

هذه الشّهادات الخطيرة على  لحظة الإبداع الشّعريّ تنسجم كلّ الانسجام مع  شرط تجسّده في أعمال الشّاعر. وهو التميّز الذي معناه الخروج على الأنماط السّائدة بإحداث لون من الكتابة يُعرف به صاحبٌه حتّى دون توقيع ويعجز غيره عن محاكاته أو انتحاله  .

تقول الشّاعرة في ذلك :

الذي اختطفَ ومضةَ القصيدِ من

رسمي

ورصّ اسمَهُ عليهِ

عندما يقرؤهُ في المحافلِ

يردّدُ  الصّدى اسمي

( المصدر نفسه ص 38)

1-2 : القضايا الوجوديّة الثّانويّة الحضور :

تعترض قارئ المجموعة إلى جانب هذا المحور الغالب كمّيّا – وهو ما يفسّر إبراز الشّاعرة إياّه في العنوان  –  ومضات متفرّقة لا تندرج فيه على نحو صريح وإن كانت كلّها تصبّ فيه . وهي تتوزّع على محاور وجوديّة أخرى متنوّعة  ثانويّة الحضور لعلّ أشدّها لفتا للانتباه  : القلق الوجوديّ . وذلك  كما في قولها :

وأخيرًا

 روحي

الضّالّةُ

تعودُ

إلى موطنِها

الأصليِّ : القلقِ

( المصدر نفسه ص 48 )

ومنها الشّعور بالضّيق على الرّغم من رحابة المكان  الذي توجد فيه.

تقول في هذا المعنى  :

على سطحِ بيتي العالي

أمامَ البحرِ المُؤتلقِ

في الصّحراءِ الواسعةِ

على طرفِ الغابةِ الممتدّةِ

دائمًا أشعرُ أنّ المكانَ ضيّقٌ

وأنا أكادُ …أختنقُ

( المصدر نفسه ص 52 )

 

2- الذّات الشّاعرة في عراكها  الدائم مع خصيماتها الذّوات الاجتماعيّة :

لئن كانت الذاّت الشّاعرة مُهَوّسَة على نحو دائم بشواغل وجوديّة ملّحة فإنّها لا يمكن أن تنفصل كلّيا   عن الواقع الذي تحيى فيه  بنتا وأمّا وزوجة ومُدَرِّسة .لكن هذه الصّفات التي تشدّها  ضرورة إلى السّطح لا تثبت إزاء الجاذبيّة القويّة لتلك الشّواغل . وهو ما يجعلها تعيش  على نحو مستمرّ ازدواجيّة حادّة  سرعان ما يكون الحسم فيها آليّا لفائدة الشّاعرة المُنعتِقة من رِبْقة الواقع  ، المتوغّلة في كنه الوجود .

ولنتفحّص  في ما يلي أمثلة من هذه الازدواجيّة ( البنت / الشّاعرة – الأمّ / الشاعرة – الزّوجة / الشّاعرة – المُدرِّسة / الشّاعرة)  وتفكّكها  السّريع  ثمّ انحلالها باختفاء أحد مكوّنيها وهو  الشّخصيّة الاجتماعيّة وما يرتبط بها من شواغل أرضيّة  عابرة  مقابل بقاء   المكوّن الآخر وهو شخصيّة   الشّاعرة  ذات الهموم الوجوديّة الخالصة .

*ثنائية  البنت / الشّاعرة :

على حين تبتهج الأمّ عند رؤية قطرات الحيض الأولى لابنتها على اعتبار كونها أدركت البلوغ الذي يؤهّلها لتتخطى نهائيا عهد الطفولة ،  لا تتمالك الشّاعرة عن الابتئاس لرغبتها الشّديدة في ملازمة ذلك العهد والبقاء دائما  طفلة . وهي في الحقيقة  كذلك لأنّ المبدعين الحقيقيّين  ، كما بيّنه علماء النّفس ،  لا يبرحون  تلك المرحلة من العمر. فيظلّون طيلة حياتهم أطفالا .

تقول :

لأوّلِ مرّةٍ

حينَ تقاطرتِ الصّبا

على ثوبي الدّاخليِّ

أشرقتْ أمّي للصبيّةِ

وهلّلتْ للجسدِ

وانفطرَ قلبي

لقد فارقتُ طفولتي

إلى …الأبدِ

( المصدر نفسه ص 28 )

  • ثنائيّة الأمّ / الشّاعرة :

جرت العادة أن يكون الجدّ من شيم الكبار والعبث  ممّا يختصّ به الصّغار . لكنّ الشّاعرة على الرّغم من كونها أمّا أي كهلة فإنّها  في بعض الأحيان تستفزّها الرّغبة في التّسلّي  بلعب أطفالها بدلا منهم . وهو السّبب نفسه الذي جعلها تحزن لنزول قطرات الحيض الأولى منها . وبذلك تنسحب منها شخصيّة الأمّ لتحلّ محلّها الشّاعرة الطّفلة .

تقول :

أحيانًا

أحبُّ أن أنهرَ أطفالي

عن لهوهمْ

أدفعًهم لدروسِهم

وأنفردُ أنا …بلعبِهمْ

( المصدر نفسه ص 40 )

  • ثنائية الزّوجة / الشّاعرة :

تفرض كلّ  النواميس والأعراف بمختلف أنواعها  على الزّوجة الوفاء لزوجها  عاطفيّا وسلوكيّا . لكنّ شخصيّة الشّاعرة المتحرّرة  بطبعها من كلّ القيود الاجتماعيّة تسمح لها بخرق تلك النّواميس في مستوى  التمنّي على هيئة فونطسمات متمرّدة  لا تعني الخيانة بقدر ما تشير إلى مخيال الإنسان الجنسيّ  المتعدّد المشترك بينه وبين الحيوان ،  ذلك الذي لم يفلح التحضّر في  إدخال أيّ تغيير جذريّ عليه .

أحيانًا

أحبُّ أن أسبقَ زوجي

ببضعِ خطًى

وأفترضُ أنّ رجلاً  لا يزالُ يلاحقًني

( المصدر نفسه  ص 40 )

أحيانا

 أشتهي أن أغازلَ

 زوجي

إذا استلذَّ كلامي

أهمسُ: ليتَهُ كانَ

زوجَ جارتي

( المصدر نفسه ص  40 )

  • ثنائيّة المُدرِّسة / الشّاعرة :

تفرض  حرفة التّعليم  على المدرّس العاديّ أن يقصر همّه داخل الفصل على النّشاطين  العلميّ والبيداغوجيّ .لكن إذا زاوجتْ شخصيّتَه شخصيُّة شاعر  حاد على الصّعيدين  الذّهنيّ والنَفسيّ عن تلك  الضّوابط المهنيّة المقنّنة  مُنساقا  وراء هواجسه الإبداعيّة .

تقول الشّاعرة :

في قاعةِ الدّرسِ

يتثاءبُ الصّباحُ

تفيضُ وشوشةُ البناتِ

يشتعلُ رضابُهنَّ
في خيالِ

الفتيانِ

وتسيلُ شهواتُهم على حافةِ

الأمكنةِ

والأستاذةُ

خلفَ نظّارتِها

تجمعُ تبعثرَها

وتبحثُ عن مدخلٍ لقصيدةٍ

مُمكنةٍ

( المصدر نفسه ص 46 )

3- تقنيات الإبهار في ومضات فاطمة بن محمود :

إنّ الشّرط الأوّل الذي ينبغي توفّره في الفنّ الرّاقي مهما كان  نوعه و أياّ كانت أدوات التّعبير المستخدمة فيه هو قدرته على إبهار القارئ إرباكه . وهذه القدرة مرتهنة بتوفّر قدرة أخرى لا غنى عنها هي  قوّة التّخيّل والحدس والحساسيّة الجماليّة لدى ممارس الفنّ . وهو ما يمكّنه من تحريك سواكن المتلقّي والأخذ بلبّه . ولا يكون ذلك إلا بالمبتكرات  التي يعدل بها عن السائد والمتداول . فجوهر الفن إذن هو العدول الحيّ . وهذا الضّرب من العدول من الصّعب توفيره بالكمّ الكافي في الشّعر وخاصّة في جنس الومضة التي تستمدّ تسميتها منه ، إذ الإيماض هو الإشراق الذي يتحقّق به الإبهار .

وفاطمة بن محمود  من الشّعراء والشّاعرات الذين ذاع صيتهم بتونس في هذا اللّون بالذات  من الكتابة الشّعريّة منذ قرابة العقد والنّصف . فلا تكاد مقطوعة واحدة من المقطوعات التي أودعتها في مجاميعها الثلاث  تخلو من الإشراقة الختاميّة التي تبهر المتقبّل وتحمله على إعادة القراءة أو طلب إعادة السّماع .

وإذا بحثنا عن التّقنيات التي تستخدمها في تحقيق مثل هذا الإشراق أو الإبهار وجدناها شديدة التّنوّع وإن كانت كل واحدة منها  تقوم على تقابل أو تناقض  . لذلك نكتفي هنا باستعراض نماذج منها  . وهي التاّلية :

  • العجيب : من ذلك إسناد الأحاسيس الإنسانيّة إلى الجماد مثلما فعلت الشّاعرة  لهذا الناي الذي حزن لموت عازفه فصار يصدر ألحانا مفعمة أسى على فراقه .

تقول :

نايٌ …خلّفَهُ صاحبُهُ

ورحلَ

تنفخُ فيه الريّحُ

فيرسلُ صفيرًا …كالأنينِ

( المصدر نفسه ص 34 )

  • توليد الدّلالة المعنويّة من الدّلالة الماديّة : كالانطلاق من تصوّر عمليّة المحو العاديّة لما يكتب بالطّباشير على السّبّورة لتخيّل أنّ ذلك المحو يشمل ثقافة   التّلميذ التاريخيّة والحضاريّة والعلميّة .

تقول :

على رسمِ سبّورةِ القِسْمِ

تُمحى حكمٌ وأفكارٌ

تمحى أفكار وتواريخ

تُمحى ألامٌ وفنونٌ

تُمحى ثوراتٌ وهزائمُ

ما الذي يتبقّى في

ذهنِ التّلميذْ  ؟

( المصدر نفسه ص 45 )

  • استحسان القبيح : كالارتياح لكسر الأطفال فانوس عمود كهربائيّ عموميّ لأنّ الظلام  المتولّد عنه يخفي عن أنظار  الفضوليّين حبيبين يتبادلان القبل تحته .

تقول :

يميلُ العاشقُ على

عنقِ حبيبتِهِ

ترتعشُ الوردةُ

تكادُ تذوبُ من

حرارةِ الفتى

والقلبانِ على حافةِ الانتشاءِ

طوبى للحجارةِ النبيلةِ

أصابتْ عينَ الفانوسِ

شكرًا …للأطفالِ الأشقياءِ

( المصدر نفسه ص 50 )

  • المراوغة : من أحسن أمثلتها ومضة ” اعتراف ” التي تخصّص الشّاعرة معظم أبياتها للتّعبير عن اشمئزازها من الوردة . وهو ما يثير استغراب قارئ الومضات السّابقة لها  التي أفاضت صاحبة المجموعة في وصف  إعجابها  بها . لكنّ هذا الاستغراب يزول عند وصوله إلى البيت الأخير حيث تقول :

آهٍ …كمْ أجيدُ الكذبَ !

( المصدر نفسه ص 12 )

  • استعارة المحسوس للمجرّد : اُستخدمت هذه التّقنية في ومضة ” حبّ صامت ” التي استعير فيها الجدار للصّمت واُستثمِر ليكون موضعا لانتظار المعشوقة غير المبالية حرقته.

تقول :

اتّكأَ على جدارِ

صمتِها

مرّ َالعمرُ وهو لا يزالُ

ينتظر ُ…مرورَ ها

( المصدر نفسه ص 33 )

خاتمة

ليست هذه  المجموعة الثّالثة من ومضات فاطمة بن محمود مجرّد محاولات في جنس شعريّ معيّن كُتبت في أوقات متفرّقة ثمّ جُمعت  بين دفّتي  كتاب مثلما هو حال معظم المجاميع التي صدرت بتونس في العشريّتين المنقضيتين وإنّما هي تؤلّف معا وحدة متماسكة تعكس تجربة عميقة وأسلوبا متفرّدا .

فعلى صعيد التّجربة تتبدّى الذّات المنشئة للخطاب فيها مسكونة بهموم وجوديّة بعيدة المدى  مدار جلّها على إشكاليّتي الخلق والإبداع . وهي هموم ينكبّ عليها اليوم علم العرفانيات النّفسيّة  ، محاولا تقصّي حقائقها وتلمّس أبعادها بكثير من العناء والمشقّة ولم يكشف من ذلك إلا عن النّزر القليل .لذلك ففي شهادات  صاحبة المجموعة  على تجربتها في هذا الغرض الشّعريّ  ما قد  يسهم في تبديد  بعض ستائر  العتمة التي تحجب  تلك الحقائق والأبعاد  .

ولكن من هذه الهموم ما يتّصل بوعي الشّاعرة لذاتها وبجوهر العلاقات التي تقيمها مع الآخر والكون  انطلاقا من رؤية شخصيّة يعضدها حدس قويّ ثاقب وحساسيّةِ اكتشافٍ مرهفة وقدرات انتباهيّة فائقة .

أماّ أسلوبيّا فإنه يحسب للشّاعرة إدراكها الواضح أنّ الشّعر ليس مجرّد تعبير عن الشّعور وإنّما هو فنّ لغويّ قوامه العدول الحيّ القادر وحده على إبهار المتلقّي وإحداث ارتجاج قويّ في نفسه بفعل المباغتة وكسر الانتظار . وهذا الجانب التّقني يحتاج من لدن الشّاعر إلى طول بحث ورشح جبين بعد انقضاء لحظة الانخطاف التي تتشكّل في أثنائها النّواة الدّلاليّة التأسيسيّة للنصّ الشّعريّ .

لكلّ هذا نعيد ما قلناه في مناسبات سابقة اعتمادا على الومضات الواردة في مجموعتيها الأوليين من أنّ فاطمة بن محمود – ولا نحسب أنّ  في كلامنا أدنى غلوّ أو مجاملة –    من الأصوات الموهوبة حقّا  القادرة على الانتماء إلى النخبة الممثلّة للشّعر التّونسي الحديث والمعاصر .

الهوامش

1- فاطمة بن محمود ، الوردة التي … لا أسميها ، على نفقة المؤلفة ، تونس 2011

2- محمد صالح بن عمر ، مختارات الشعر التونسي الحديث والمعاصر ،  بيت الحكمة ، تونس 1990

3- منصف المزغني ، حبات ، دار الآداب ، بيروت

4On Dean Keith Simonton’s Origins of Genius: Darwinian Perspectives on Creativity , Oxford University Press 1999

5-  أخرجه البخاري في صحيحه في بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- (1/5-6)

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*