في تجربة منصف المزغنّي الشّعريّة :محمّد صالح بن عمر

منصف المزغنّي

ليس من السهل أن نختزل في  هذا المقال التّأليفيّ تجربة منصف المزغني الشّعريّة التي تمتدّ على ما يقارب الخمس والثلاثين سنة والتي  تتجسّد في سبع مجاميع  تحتاج كلّ مجموعة منها إلى وقفة خاصة. وذلك  لما  تميّز به هذا  الشّاعر منذ بداياته من التّعلّق بمبدإ منتهى العدول  الذي لا يتحقّق إلاّ ببذل أقصى الجهد في درء أيّ تأثير خارجيّ أو داخليّ فيما يكتب . وهذا ما يجعل القارئ لشعره  عاجزا أو يكاد عن  الوقوف فيه على مواطن تكرار إلاّ ما ندر . و السّرّ في ذلك أنّ للمزغنّي طريقة خاصّة في تنقية قصائده من التّكرار و غيره من الشّوائب  . وهي الانكباب على النّصّ الواحد طيلة أشهر تهذيبا وتشذيبا إلى حدّ أن لا يبقى منه إلاّ ما لا يقبل  أدنى تغيير دون الإخلال بالمعنى .وهو في ذلك شبيه بصاحب الحوليّات الشّاعر الجاهليّ  زهير بن أبي سلمى والشّاعر الفرنسيّ ستيفان مالاّرميه (1942 -1898Stéphane  Mallarmé ). وقد ترتّب على هذه النزعة الحمائيّة المتشدّدة أن جاءت كلّ مجموعة من مجاميعه  بل كلّ قصيدة من قصائده حاملة لتجربة خاصّة  .و من ثمّة فإنّ  نقد شعره  لا يكون مفيدا حقاّ إلا إذا اكتفى ممارسه  بتناول مجموعة واحدة  بله قصيدة واحدة .

فأسلوبيّا جرّب الشّعر الخطابيّ الإيديولوجيّ في عناقيد الفرح الخاوي (1981 ) والشّعر الملحميّ في عياّش (ط1 1982 / ط2 1986 ) والشّعر الأسطوريّ الرّمزيّ في قوس الريّاح ( 1989 ) والشّعر المتناصّ مع الرّسم في حنظلة العلي ( 1989 ) والهايكو في حباّت ( 1992 )   ومحبّات ( 2003 ) والشّعر المغنّى في محبّات . والشّعر الطّقوسيّ في مشاعر(2017) ولكلّ لون مقومّات وأدوات فنّيّة .

أمّا غرضيّا فقد تنقّل الشّاعر بين قضيّة هيمنة الامبرياليّة على العالم الثّالث في العناقيد إلى تدهور الوضع السّياسيّ والاقتصاديّ في عيّاش  ،إلى الديكتاتوريّة في قوس الرّياح ، إلى القضيّة الفلسطينيّة في حنظلة العلي ، إلى مفارقات السّلوك الإنسانيّ في حباّت ،  إلى الغزل في محبّات إلى مكاشفة الذّات الفرديّة والجماعيّة في مشاعر .

ولمّا كان هذا متعذّرا في  مقال  ينحو منحى تأليفيّا عن مقوّمات تجربة منصف المزغنّي الشّعريّة من خلال مجاميعه كلّها  فإنّنا نقرّ منذ البدء باستحالة توفيقنا  التّامّ في هذه المهمّة ،  منبّهين القارئ على أنّ ما سنسعى إلى إبرازه من تلك المقوّمات العامّة  لا يُعَدُّ  ، على أهمّيته ،  إلاّ جانبا يسيرا من تجربة الشّاعر التي تحتلّ فيها الجزئيّات مكانة أهمّ بكثير من الكلّيّات . فلننصرف عندئذ  إلى محاولة  الكشف عن الخيط  الناظم بين مجاميع منصف المزغني السبع وفي خَلَدنا  المثل العربيّ القديم ” مُكُرَهٌ أخاك لا بطل ”  .

لقد بات من المسلّم به اليوم أنّ الإبداع الشّعريّ أو السّرديّ مرتهن بالتّفرّد وأنّ التّفرّد ممتنع في غياب البصمات الخصوصيّة التي تسم بوضوح وعمق العمل الأدبيّ وأنّ وجود مثل تلك البصمات يتوقّف على توفّر ثلاثة شروط :

الأوّل هو تميّز الذّات المنشئة للخطاب عن الذّوات العاديّة.

الثّاني هو تمتّع تلك الذّات بقدرات خارقة لاسيّما في مستويات التخيّل والحساسيّة والحَدْس والإدراك.

الثّّالث هو صدورها عن تجربة عميقة في مضمار الحياة تسم علاقاتها بالواقع أو الآخر أو الكون أو اللّغة أو بذاتها نفسها أو بعنصرين أو أكثر من تلك العناصر.

ويعدّ منصف المزغنّي من الشّعراء التّونسيين المعاصرين القلائل الذين تستجيب مجمل نصوصهم لهذه الشّروط . وكنّا قد توسّعنا في إبراز مظاهر ذلك التميّز ضمن الكتاب الذي ألّفناه عنه وتفحّصنا فيه مجموعاته الخمس الأولى(1) ثمّ في دراسة لاحقة تناولنا فيها مجموعته السّادسة (2). ثمّ في تدخّل ضمن حصّة خصّصت للشّاعر منذ بضعة أسابيع في إذاعة تونس الثّقافيّة بمناسبة صدور مجموعته الجديدة مشاعر (3).وسنفرد هذه المجموعة  قريبا بدراسة .وفي ما يلي تذكير موجز بها ، مع الإشارة إلى أن من رام التّوسع في الاطّلاع على تفاصيلها   أمكنه العودة إليها في مظانّها من كتابنا المذكور والدّراسة اللاّحقة له .

ينبغي التّذكير، بدءًا، بأنّ الميزة الأولى لإنشائيّة الشّعر عند المزغنّي هي قدرته الفائقة على استنباط الدّلالات  الشّديدة الخفاء من البنى اللّغوية ، الصّوتية منها والصّيغيّة والدّلاليّة والتّركيبيّة والبلاغيّة وتوظيفها في الملفوظ الشّعريّ.

ولئن كنّا لا نَعْدَمُ مثل هذا الأسلوب في الشّعر العربيّ القديم الذي تواترت فيه من ذلك أمثلة كثيرة ،  شديدة التنّوع وكذلك لدى بعض الشّعراء العالميّين لعلّ أبرزهم الشّاعر الفرنسيّ بول فرلان Paul Verlaine )  1844-1896)، فإنّ له في شعر المزغنّي حضورا مكثّفا قارّا في كلّ قصيدة تقريبا. فغدا، نتيجة لذلك، الطّابع المميّز الذي اشتهر به هذا الشّاعر حتى لدى الفئات الشّعبيّة وأضحى الفكاهيّون وممارسو التّقليد الفنّيّ يستثمرونه باسمه في البرامج الإذاعيّة والتلفزيّة وفضاءات التّرفيه على سبيل الدّعابة فيلقون تجاوبا واسعا مع الجمهور.

والحقّ أنّ الأمر هنا لا ينحصر في اختيار شاعر من الشّعراء لأسلوب معيّن في الكتابة لأنّ مثل هذا الأسلوب يمكن أن يتخصّص في استخدامه شعراء آخرون. وإنّما يتعدّى ذلك إلى ضرورة الإقرار بحقيقة لا يرقى إليها الشّكّ  . وهي امتلاك منصف المزغنّي موهبة فريدة هي فقه أسرار الكلام، لا بالمعنى العلميّ كما حُدّد في كتب علوم اللّغة القديمة والمصنّفات اللّسانيّة الحديثة وإنّما بمعنى آخر مختلف لا يدركه إلاّ الشّاعر وحده . وهو أنّ عناصر اللّغة بجميع أصنافها المنطوق منها والمكتوب هي  ، في منظوره، كائناتٌ ذواتُ هُويّات متمايزة تربط بين أجزاء الواحدة منها وكذلك فيما بينها علاقات خفيّة غير تلك التي حدّدها النّحاة القدامى واللّسانيّون المحدثون .

وعلى هذا الأساس فإذا كانت الألفاظ تتعالق داخل الجملة طبقا لقواعد منطقيّة أو تركيبيّة أو إعرابيّة أو معجميّة أو صيغيّة فإنها في لغة الشّاعر تترابط وَفق علاقات من جنس آخر قد تلوح للعالم اللّغويّ اعتباطيّة . لكنّ الشّاعر بفضل ما يتمتّع به من نظر ثاقب ودقّة ملاحظة يتفطّن إلى وجودها ثم يوظّفها في إنشاء ألوان مباغتة من العدول على نحو ينسجم مع المحور العامّ للقصيدة أو مع أحد معانيها الفرعيّة. وهذا ما يجعل عمله بمنزلة البحث الموازي أو المضادّ للبحث اللّسانيّ. ذلك أنّه إذا كان البحث العلميّ في اللّغة يسلك إلى بناها مناهج عقليّة دقيقة صارمة فإنّ بحث المزغنّي فيها يتّجه، بدلا من ذلك، إلى الكشف عن المفارق والمباغت والمُربك والمُوحي في أيّ مستوى من مستوياتها.

ولنستعرض، في ما يلي، نماذج من هذا البحث اللّسانيّ المضادّ انطلاقا في مجاميع المزغنّي الستّ  ، محاولين الوقوف فيها  على أهمّ الطرائق والأدوات الفنّيّة التي استنبطها من الموادّ اللّغويّة المختلفة ثم وظّفها في أداء معاني  الأغراض  الشّديدة التّنوع التي طرقها . وذلك في كلّ مستوى من مستويات اللّغة . ولنبدأ بالمستوى الصّوتيّ .

****

  إنّ ما يشغل اللّسانيّ في دراسته للمستوى الصّوتيّ هو مكوّناته الأوليّة. وهي الحروف والحركات وما تنتظم فيه من مقاطع ثم الظواهر التّعامليّة التي تطرأ على تلك المكوّنات. وهي:

خاصّة الإبدال والحذف والإدغام والتّقريب والتّبادل المكانيّ وأخيرا العناصر النّغميّة وهي النّبر والنّغمة والطّبقة الصّوتيّة.

وقد وجد المزغنّي في هذه الوحدات والظّواهر، كلّها أو بعضها حسب ما يتيحه له السّياق مجالا فسيحا لاستنباط حيله اللّعبيّة التي بها يباغت المتلقّي لما تحقّـقه من العدول عن الكلام العاديّ والكلام البلاغيّ المنمّط معا.

ويمكن القول إنّ استثمار الشّاعر للطاقات الكامنة في هذا المستوى  يتراوح بين الحرص على تحقيق الإيقاع الدّاخليّ  وتوظيف المفارقة الصّوتيّة المستثمرة في أداء معنى معيّن .

فمن النّوع اّلأوّل:

  • تكراركلمة نحو(4) :

جاؤوا جاؤوا جاؤوا

  • تكرار عبارة نحو(5):

قد يأتي بعد غدٍ

قد يأتي بعد غدٍ

قد يأتي بعد غدٍ

  • تكرار مقطع نحو(6):

  ولا الشَّمْس تَبْقَى

  ولا قمرٌ قد تَبَقَّى

  • وقد تتوتّر الكلمة نحو(7):

وفَرْرْرْرَتْ يَدَاهْ

  • أو تتقطّع نحو(8):

في الزَّ… … فير الأخير

  • أو يُحدث صوتها صدى نحو(9):

أجاب:

منامك ارسُمْ

ورنَّ الصدى… سُمْ

و نحو(10) :

ربيع … بيع … بيع … بيع

ونحو(11):

أحبّونا … بونا … بونا

  • وقد تَلِدُ كلمةً أخرى نحو(12):

الدّمويّ / الدمْيَويّ

السِلْم / سِمْ

البَيْدق / البايْ دوق

  • القلب المكانيّ نحو(13):

تأمّلتُ / تألّمت

  • إدخال تغيير على البنية الحركيّة للكلمة نحو(14):

هُنَاكَ هُنُوكَ هُنيكَ

  • حشد ألفاظ تشترك في حرف معيّن نحو(15):

يا غاسلتي بالبرقْ

قلبي مشقوقٌ بالعشْقْ

أو (16) :

وَمَا شاب شَعْرِي في الشِّعْرِ ( ع )

أو(17):

أستبعدُ تحريرَ المستعبَدِ في ظلِّ المستَوْرَد

أو(18):

في الإِسطَبْ

أَزِفَ الحَفْلْ

ودُقَّ الطَّبْلْ

وطارْ

العصفورُ الموسيقارْ

مُنْقَفِلَ المنقارْ

يَشُقُّ

سماءَ الشاعِرْ

بجناحِ غُبارٍ فاخِرْ

ففي هذا المقطع  الأخير تواتر حرْف الفاء في الكلمات التاّلية: في – أَزِف – الحفل – العصفور- منقفل. واللاّم في: الإسطبل- الحفل- الطّبل- منقفل. والراء في: طار- العصفور- الموسيقار- المنقار- الشّاعر- غُبار- فاخر. والقاف في: الموسيقار- مُنقفل- المنقار- يشقّ.

أمّا النّوع الثّاني فهو أوغل في البحث اللّغويّ لأنّه يقوم على الربط بين الصّوت والمعنى .

من ذلك استثمار الشّاعر  التبادل المكانيّ إذا تألّف من كلمتين  تحيلان على حقل دلاليّ أو معجميّ واحد . “فالحبر” يتحوّل عن طريق القلب المكانيّ إلى “حرب”(19):

أفقنا على الحرب

والحبر

وما تجاورهُما في السّياق الكلاميّ إلاّ لتجاورهما في الواقع السّائد بفلسطين السّليبة .

وقوله (20) :

فَارَقَتْنِي الْمَلِكَة

رافقتْني الكلمة

ومثلما نرى لا يتحقّق العدول بهذه الحيلة اللّعبيّة وحدها بل تعضدها المقابلة الدّلاليّة الصّريحة بين “فارقتني” و”رافقتني” والمقابلة الضّمنيّة بين “المَلِكة” و”الكِلمة”، على اعتبار أنّ المتلقّي يستخلص هنا أنّ الكلمة في منزلة الملكة أو حتّى أرفع منها مادامت قد حلّت محلّها.

ويدخل في هذا الباب أيضا قول الشّاعر (21):

هِيَ امْرَأَةٌ

قَلْبُهَا طَائِرٌ

حائرٌ

سَاحِرٌ

سَارِحٌ فِي الْغَرَامْ

وهنا أيضا لا ينشأ العدول فحسب عن تماثل حروف الكلمتين “ساحر” و”سارح” مع اختلاف ترتيبها بل يعزّزه تقابلهما معنويّا من حيث إنّ الصفة الأولى لا إراديّة على حين أنّ الثانية إراديّة، إضافة إلى النّغم المتولّد قبله عن الجناس الناّقص: (طائر) / (حائر). وهذا التّنويع في أنواع العدول في الموضع الواحد يكاد يكون طريقة قارّة في شعر منصف المزغنّي لما يتولّد عنه من قوّة التّأثير في المتلقّي. ومن ثمّة يمكن القول إنّ إستراتيجيّة هذا الشاعر تقوم على تقمّص دورين متكاملين: الأوّل دور عرّاف لغوي يمتلك قدرة خارقة تمكّنه من الكشف في أبنية اللّغة عن دوالَّ خفيّة قد لا يتفطّن إليها اللّساني نفسه. والثاني هو دور ساحر يجيد توظيف تلك الدّوال ضمن خطابات مربكة مذهلة تأسر المتلقّين وتأخذ بألبابهم.

ومثل ذلك إحداث الشّاعر في مقطوعة “مفاتحة ” على ترادف خاطئ بين لفظ “شاعر” ومقلوبِه “شارع”. وهو خطأ مقصود أورده على لسان امرأة تسعى إلى تعرّف الشاعر وربط صلة به (22) :

هتفتْ

“أنت المزغنِّي؟”

فسكتُّ…

أضافتْ

“أنتَ المنصف؟”

فأجبتُ… بأنّي…

أحيانًا

قالتْ:

“متأكّدْ”

فأجَبْتُ بأني فعلاً

متنكِّدْ

صاحتْ:

“وإذنْ أنتَ الشَّا…رِعْ”

فيجيب الشّاعر على هذه المداعبة بمداعبة ألطف منها وأبلغ يستغلّ فيها أحد لوازم “الشّارع” وهو الازدحام للاعتذار لها بأنه مشغول عنها بأخرى (23):

فهتفتُ:

وكيف عَرفْتِ…

بأنّي

مزدحمٌ هذي السّاعهْ؟”

فالمنطلق، في هذه القصيدة، هو، فعلا، تلاعبٌ بالألفاظ. لكنّ الشّاعر لا يقف عنده بل يستغلّه في تصوير موقف إنسانيّ موحٍ .

و قد يوظّف الشّاعر الأزواج الدّنيا في إحداث صور مباغتة مدهشة  كما في قوله  (24):

يمرّ فَراشُ الحرير

مرورَ فَراشِ الحريرِ

ففي هذين  البيتين يوحِّد بين المشبّه والمشبّه به  تمهيدا لعدول مدهش يحقّقه باستبدال حرف في كلمة ” الحرير ” وهو الرّاء  بحرف الدّال   ، محوّلا “فراش الحرير” بعد أن ذُكره ثلاث مرّات متتالية إلى “فراش الحديد”  ،  مدخلا  بذلك تغييرا جذريا  على المعاني الحافّة.

وقد يستغلّ اختلاف المعنى داخل زوج أدنى لتشكيل صورة ذات بنية تقابليّة نحو (25):

عينُ

الخلاف

حقيقه

وأُذنُ

الخلافةِ

باطِلْ

ومن هذا اللّون أيضا استعارته لبائع الجرائد في أرض المعركة اسما من لقب الصّعلوك العربي “تأبّط شرا” فيسمّيه “تأبّط نشرا (26) :

قارئتي الحنظليّة هل تذكرين: “تأبّط نَشْرًا”؟

صَبِيّ الجرائد يركض

بين رصاص المطابع

بين المدافع

صبيّ الجرائد يقفز فوق عظام الفواجع

وتنقلب “الصّحافة” بإضافة نقطة فوق الحاء إلى “صخافة” (27):

وطار الفتى في المنام

يشقّ الخطى نحو أرشيف رسمي الذي رفضتْه

الصَ خ ا ف ة

ومن أساليب المزغنّي في هذا الباب استثماره التّقطيع الصّوتيّ، بتفكيك الكلمة الواحدة إلى مقطعين متفاصلين أو أكثر يشكّل الواحد منها كلمة مستقلّة كما في قوله (28):

اللَّيْلُ مَعَ الشُّعَرَاءِ كَرِيمْ

بِنُجُوم

ونجومُ اللّيلِ رك”ريمْ”

فالصّفة “كَريم” قد فُُكِّكتْ هنا إلى مقطعين – كلمتين هما حرف الجرّ “الكاف” و”ريم” وهو اسم ابنة الشّاعر.

وقد تُنتزع الكلمة من كلمة أخرى مع بقاء جزء منها بلا معنى، مثلما هو الشّأن في هذا المقطع لشّعريّ (29):

أنا لا أنا

مُ

أنا

 أو(30)   :

الحبّ حَرْ…

بٌ

لكنّ إثبات الحرف الذي أصبح زائدا بعد انتزاع الجزء الدّال بمفرده من الكلمة الأصلية يجعل المتلقّي يتقبّلها كاملة كما هي في الأصل بعد أن قُُدِّمتْ إليه مفكّكة. فيباغته وجود كلمة داخل أخرى.

ومن ذلك أيضا  إتباع لفظ بلفظ بشترك وإيّاه في بعض الحروف مع استثمار هذا الإتباع دلالياّ  نحو (31) :

سمعتُ الزغاريدَ مقفلةً في حَنَاجِرِ امرأةٍ

تسلخُ النومَ عن جَفْنِها :

آه

لاَ بُدَّ من

أرَقٍ – زورقٍ للصّباح

فلفظ “زورق” قد انساق وراء لفظ “أرق” على سبيل الإتباع النّاقص أو التّقفية الدّاخليّة لكن مع تناسب في المعنى لأنّ “الأرق” الذي يطالب به الشّاعر -والمقصود به الحيرة الداعية إلى الانشغال بالوضع الراهن- ينبغي أن يكون مطيّة ،   أو بعبارة أدقّ ،  قارب النّجاة لبلوغ ضفّة الأمان والطّمأنينة (الصّباح).

****

وإذا ارتقينا مع الشّاعر من المستوى الصّوتيّ إلى المستوى الصّرفيّ وجدناه يستثمر الظّواهر التّصريفيّة والاشتقاقيّة للغرض نفسه المبيّن آنفا.

والمعلوم أنّ التّصريف في العربيّة يخضع، مثلما هو الشّأن في كلّ لغة، لقواعد محدّدة دقيقة تكون في العادة مفصّلة في كتب التخصّص، إلاّ أنّ الشاعر لا يرى مانعا من الإدلاء بدلوه في هذا الباب العلميّ التّعليميّ الجافّ فيوظّف بعض مقولاته توظيفا مفارقا ويستخدم بعض آلياته على نحو مختلف.

فمصطلح جمع التكسير الذي يدلّ صرفيّا على نوع معيّن من الجموع يُحْصَلُ عليه بإدخال تغيير على البنية الحركيّة للكلمة المفردة نحو: كتاب /  كُتُب وأسَد  /   أُسُد، نجد الشّاعر، مثلا، يستعيره لزمرة الشّعراء الذين إذا ما اجتمعوا فليس للتآلف والتّحابب والتّكاتف بل ليكيد بعضهم لبعض وللآخرين. وهذا ما يوحي به قوله (32) :

شَاعِرٌ مَعَ شَاعِر

شَاعِرَان

شَاعِرَانِ مَعَ شَاعِر

جَمْعُ تَكْسِيرْ

   ويعدّ باب الاشتقاق أقوى الأبواب الصّرفيّة اجتذابا لحسّ المزغنّي اللّعبيّ. فنراه يستثمر قواعده وآلياته بكثافة وعلى أنحاء شتّى . من ذلك إحداثه ألفاظا لإفادة معان جديدة .

فمن  لفظ “الفندق” يشتقّ الفعل “فَنْدَق” ثمّ يقابل بينه وبين الفعل “خَنْدَقَ” (33):

وكلّ يُعذّبني بالمكان

فأهل اليمين يُخَندقني في اليسار

       وأهل اليسار يُفندقني في اليمين

   ومن الشّعر يشتق الفعل “اشْعَوْعَرَ”  على غرار الفعل “اعشوشب” المأخوذ من العشب. وهذا الفعل الجديد أدقّ في السّياق الذي استعمله فيه من الفعل “أخصب” ذي الدّلالة العامّة.

يقول في هذا الصّدد (34):

حِينَ أَضَاعَ مَطَرِّيَاتٍ كَثِيرَةً فِي المَقَاهِي وَالمَحَطَّاتِ، قَرَّرَ الرَّجُلُ الأَصْلَعُ التَّخَلِّي نِهَائِيًّا عَنِ المَطَرِيَّاتِ، الشَّيْءَ الَّذِي أَفْرَحَ صَلْعَتهُ الَّتِي لَهَا رَأْيٌ آخَرُ: فَهْيَ لاَ تَفْرَحُ إِلاَّ

بِالأَمْطَارِ الدَّاخِلِيَّة.

تَنْتَظِرُ الأَمْطَارْ

كَيْ تَشْعَوْعِرَ بِالأَفْكَارْ ..

    ونظير هذا اشتقاقه الفعل “تَأَرْنَبَ” من الأرنب في قوله: “سلحفاة تتأرنب”(35).

وهذا الفعل المستحدث يفيد معنى جملة كاملة هي “تتشبّه بالأرنب”. وفي ذلك إيجاز وتكثيف للإيحاء لكون العبارة تحيل إلى حكاية مَثَـلِيّة معروفة هي حكاية “السّلحفاة والأرنب ” للشّاعر الفرنسيّ دي لافونتان  ( Fontaine Jean de La 1621 – 1695 ) .

ومن حيل المزغنّي اللّعبيّة القائمة على الاشتقاق توظيفه للحقول المعجميّة. من ذلك استثماره لهذه الكلمات الثّلاث المأخوذة من الجذر (قْ / لْ / بْ): قَلْب (بمعنى العضو الذي يضخّ الدّم) وقـَلْبَةٌُ (وهي اسم المرّة من القلب بمعنى تغيير وضع الشيء بجعل أعلاه مكان أسفله) ومقلوب (وهو اسم المفعول من القلب بالمعنى الثاني  (36).

قلبة

مَحْبُوبَة

قَدْ هَمَسَتْ

فِي أُذْنِ الْمَحْبُوبْ

“كَمْ أَكْرَهُكْ”

 

سَاءَلَهَا مُسْتَوْضِحًا

فَلَمْ تُجِبْ:

“هَذَا كَلاَمُ الْقَلْبِ

يُقَالُ بِالْمَقْلُوبْ”

    وفي هذه العبارة الأخيرة ترجمة بالإيماء اللّطيف لمعنى العبارة المتداولة “الحبّ ليس ضدّهُ الكراهية بل اللامبالاة”.

ومن اختراعات المزغنّي التّصريفيّة تفكيكه المتعمّد إدغام عين المضاعف ولامه في قوله: “أُحِبْبُكِ” لإفادة عنف هذا الشّعور وقوّته، مع اللّجوء، كالعادة، إلى دعم هذه الحيلة الرّئيسة بحيلة تكميليّة من جنس آخر. وذلك بسوق هذا الفعل في الأبيات الأخيرة من القصيدة مفكّكا بعد أن ردّده بالإدغام (أُحِبُّكِ) ثماني مرّات متتالية لكي يتحقّق، بتأخير صورته تلك غير الاعتياديّة، عدول قويّ مفاجئ أشبه ما يكون بضوء الشّماريخ. ولهذا الغرض نفسه مهّد الشّاعر للتّفكيك المذكور بتفكيك لفظ آخر لكن على سبيل الإيهام فحسب، لخلوّ صيغته الأصليّة من الإدغام. وهو اسم العدد المبهم “كم”، وذلك في قوله (37):

فَكَمْ

كَمْ

وَكَمْ

كَكَكَمْ

كَمْ

“أُحِبْبُكِ”

   وفي سياق آخر يستبدل صيغة الفعل ذاته “أحبّ” في الماضي مع ضمير المفرد المتكلّم “أَحْبَبْتُ ” بصيغته المستعملة في اللّهجة اللّبنانيّة والصفاقسيّة “حبَّيْتُ” لما تنطوي عليه هذه الصّيغة الثّانية من شحنة عاطفيّة قويّة متأتّية من تواترها الشّديد في أغاني مشاهير الطّرب اللّبنانيّين ذات الانتشار العربيّ الواسع. وقد جاء هذا في قوله (38):

تصريف

” حَـبَّـيْـتُــكْ “

وسوايَ

أحـبَّـكْ

ومن ألوان اللّعب اللّغوي في باب التّصريف – والأمر يتعلّق هنا بتصريف الاسم لا الفعل – تأنيث لفظ “الثّور” بالهاء “ثورة” بدلا من إيراد مؤنّثه المعجميّ “بقرة”(39 ):

الحمراء

الثَّوْر

حِينَ رَآهَا…

هَاجْ

آه

يَا لَلثَّوْرَة

    لكنّنا حين نتأمّل هذه المقطوعة- الومضة نكتشف أنّ انطلاق الشّاعر فيها كان من “الثورة” وأنّه عندما حذف منها الهاء ليحصل على مذكّرها اللّفظي “الثّور” قد قصد توظيف هذه الكلمة في وصف حالة الهياج التي يكون عليها بعض المنتسبين إلى “الثّوريّة”، غير أنّه بتقديم المذكّر “الثّور” على المؤنّث “الثّورة” وجعل هياجه ناتجا عن رؤيتها قد أضفى على الصّورة العامّة التي رسمها في المقطع مسحة فكاهية تقرب من السخرية لتؤدّي ثمّة وظيفة نقديّة.

وإلى جانب المستويين الصّوتيّ والصّرفيّ يُعمل المزغنّي أدواته في المستوى المعجميّ. فيوظّف فيه ما يتخيّره من الحقول لصياغة بعض الاستعارات المبتكرة تماما. من ذلك حقل “القهوة” الذي يضمّ لازمها الأساس وهو “السُّكّر”. فيستعير الشّاعر هذا اللاّزم لضحكة المرأة.

يقول في مقطوعة بعنوان ” حلاوات “(40):

“بي شهوة”

قال

“قهوة”

والسكّر؟

“ضحكتك الحلوة”

وفي نصّ آخر يستعيره لشفتي المرأة (41):

تَأْتِي …

امْرَأَةٌ بِلِبَاسٍ بُنِّي

وَشِفَاهٍ سُكَّر

تَطْلُبُ قَهْوَة

(يَخْتَلِطُ الأَمْرُ عَلَى النَّادِل:

يَأْتِي بِالْفِنْجَانِ عَلَى السُّكَّرْ)

تَضَعُ الْمَرْأَةُ سُكَّرَهَا

وَتُحَرِّكْ..

   ومن اللّون نفسه هذه الصّورة التي يمزج فيها بين حقلين متباعدين هما حقل الإنسان وحقل التّدخين. فيستعير للكائن البشريّ السيقارة (42):

لاَ تُدَخِّنِي

لاَ لاَ تُدَخِّنِي

لاَ لاَ لاَ تُدَخِّنِي غَيْرِي

    ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى الإطالة المتعمّدة لزمن انتظار المتقبّل للمفعول به (غيري) بتكرار حرف النّهي خمس مرّات والفعل ثلاثا. وذلك ليكون وقع المباغتة أقوى وأشدّ.

ومن هذا الباب أيضا اقتباسه لفظا من حقل الوجه –  وهو “اللّحية” – لإقحامه في حقل آخر بعيد عنه وهو حقل القلب (43) :

بقرارٍ:

” الشَّوَارِبْ

مُنِعَتْ “

نَبَتَتْ فِي القَلْبِ لِحْيَة

والمقصود بهذه الصّورة أنْ لا سلطة خارجيّة على القلوب. وهو معنى قديم متداول . لكنّ التّعبير عنه هنا جديد تماما.

وقد يقابل الشّاعر بين حقلين تامّين كما في هذه المقطوعة (44):

بِالأَمْسِ كَانَ عَاشِقًا

فَكَانَ فِي الثَّوْرَةِ

أَمِير.

وَاليَوْمَ قَدْ تَزَوَّجَ

فَصَارَ فِي الدَّوْلَةِ

أَسِير

ففي كلّ من هذين المقطعين الشّعريين خمس وحدات تقابل أخرى في المعنى: الأمس/اليوم – كان/صار – عاشقا/متزوّجا (قد تزوّج) – الثّورة/الدّولة – أمير/أسير.

لكنّ مركز ثقل العدول يكمن في استعارة الثّورة للعشق قبل الزّواج مع إسناد صفة الأمير إلى العاشق غير المتزوّج ثمّ استعارة الدّولة لمؤسّسة الزّواج مع إسناد صفة الأسير إلى المتزوّج. وكلّ هذا أيضا من الصّور المبتدعة تماما رغم الكثرة المشطّة لما كتبه الشّعراء والنّاثرون عن الحبّ منذ القديم.

****

ومن حيل المزغني اللّعبيّة ما هو مستمدّ من مستوى اللّغة التّركيبيّ. من ذلك كسره لقاعدة المطابقة في العدد. ففي مقطوعة “الخلاصة” جعل لفظ “النّساء” خبرا للضّمير المفرد المخاطب المؤنّث “أَنْتِ” (45):

النِّسَاءُ نِسَاءْ

وَأَنْتِ النِّسَاءْ

  وهذا – لعمرنا – قمّة الغزل ومنتهاه لأنّ المعادلة الواردة في البيت الثّاني ترفع المرأة المتغزّل بها إلى مرتبة تساوي فيها بنات حوّاء جميعا.

ومثل هذا قوله في مقطوعة أخرى (46):

أَنْتِ الْمَلِكَة

وَأَنَا شَعْبٌ

فِي غُرْفَة

أمّا في المستوى البلاغيّ فإن  المزغنّي يمارس حيله اللّعبية على مكوّنات الصّورة كالمشبّه والمشبّه به  ووجه الشّبه والمستعار والمستعار له .

ففي قصيدة “الملابس الدّاخليّة لسُكّر” (47) يقيم الشّاعر علاقة تشابه بين عنصرين ليس بينهما في العادة أيُّ صلة حقيقيّة أو حتّى بيانيّة هما: القهوة والمرأة. ويشتدّ هذا التشابه داخل القصيدة إلى أن يُقارب التّماثل. فيترادف اللّفظان في لغة الشّاعر. ويُستعمل أحدُهما عطفَ بيانٍ للآخر، أو إن شئت يتألّف منهما لفظٌ مركَّبٌ في قوله: “قهوتي-امرأتي” (48).

ووجوه الشّبه التي يكتشفها الشّاعر بين هذيْن العنصرين ثلاثة هي المرارة والحلاوة والإرهاق: المرارة والحلاوة في الفم والإرهاق في الدّم(49)  :

القطعة الأولى

سُكّرة

مُرّةٌ

قهوتي

……… امرأتي

القطعة الخامسة

مُرْ      هِـ       قَـ       تي (50)

  فشكليّا صاغ الشّاعر قصيدته على هيئة ثماني قطع من ‘السكّر” مرتّبة من 1 إلى8. وهي فكرة مستنبطة – كما نرى –  من أحد لوازم القهوة وهو السكّر. أمّا دلاليّا فقد بُنيت القصيدة بناء المعادلة. وذلك يلوح في تعداد المزغنّي من بداية النّصّ إلى منتصف القطعة الأخيرة وجوه التّساوي بين صفات القهوة وصفات المرأة إلى أن يستخلص، في النهاية، أنّ “دمه في فمه” (51) كناية عن صدقه فيما ينطق به (52):

امرأه

مغلَقَه

في دمي

امرأه

سُكّرٌ

في فَمِي

ودَمِي

في فَمِي

  ولقد اتّبع الشّاعر، منذ القطعة الأولى، خطّة تقوم على الإيهام والتّشويق. فحتّى القطعة السّابعة لا يعرف القارئ أيّا من القهوة والمرأة المشبّه والمشبّه به، ليرجّح في القسم الأوّل من القطعة الأخيرة أنّ المشبّه هو المرأة. لكنّ هذا الوهم ينقشع في آخر جملة من النصّ بذكر الشّاعر أحد لوازم القهوة وهو المِلْعقة (53):

لَوْ نطقْـ

ـتُ بِهِ

ذابتِ الْـ

ـمِلْعَقَه

فتكون القهوة، عندئذ، هي محور القصيدة والمرأة مجرّد عنصر شُبّهت به. لكن بمراجعة القصيدة والتأمّل في “القطعة السّادسة” يكتشف القارئ أنْ لا القهوة ولا المرأة  هي المحور بل القصيدة التي هي قهوة الشّعر وامرأته(54):

ميم

راء

خَبَرٌ

م

ر

امرأةْ

مبتدأ

مُرّة قصيدةُ السُكّرْ

   فالإيداع، في هذه القصيدة، يكمن في التّقريب بين ثلاثة عناصر لا علاقة بينها في العادة هي: المرأة والقهوة والقصيدة وفي التّلاعب بلبّ القارئ عن طريق الإيهام بخلاف المقصود إلى حدّ احتياجه قراءة ثانية تكشف له المعنى المراد، وفي الاهتداء إلى صياغة للقصيدة مستوحاة من موضوعها نفسه.

ويرتكز عمل المزغنّي أيضا  في صياغة الصّورة على التّرميز . وأكثرُ رموزه من الحيوان كالحمامة والكلب والنّسر والحصان والعصفور والدّلفين والسّمكة والغراب والطّاووس والزّرزور والجرذ والقطّ والفأر والذّئب والبلبل والعنكبوت والببّغاء (55) ولكل رمز من هذه الرّموز دلالة معروفة متداولة في لغة النّاس اليوميّة. لذلك فهي لا تتسبّب في تعتيم الصّورة إلى حدّ الاستغلاق. وتلك ميزة أخرى امتاز بها منصف المزغنّي على الكثير من أبناء جيله الذين غالبا ما أخفقوا في تحقيق المعادلة الصعبة بين الإيحاء والإبلاغ.

وقد يقصر الشّاعر عمليّتي التّرميز والعدول  على بيت واحد نحو(56):

وعيّاشٌ طفلٌ يُسَامِقُ صفصافةً دمويّة

ففي هذا البيت ثلاثة رموز هي: عيّاش (فئة المعدمين) طفل (مرحلة غياب الوعي قبل الانبعاث) صفصافة دمويّة (الواقع المُعْتَسرَ). أمّا العدول فقد تحقّق بفعل “المسامقة” الذي يعجزعن القيام به طفل صغير.

وقد تُغطّي الصورة بيتين أو أكثر نحو(57):

وتَرْنو غزالة – حُبّهُ.. والفجرُ

طفلٌ يُقَشِّرُ من لَيْلِهِ برتقالة

فغزالة هي الوطن الذي يهيم عيّاش في حبّه. والفجر هو الغد الأفضل المرتقب. وفي تقشير البرتقالة إيحاء بأنّ ذلك الغد لن يأتي مصادفةً بل يكون الاقتراب منه إراديّا وتدريجيًّا.

ومن الصّور ما ينفجر انفجار الشّماريخ في نهاية المقطع نحو(58):

أفاقتْ صباحا

فلم تَلْقَ غير نواةِ التّمور ورَوْثِ السّياحة

وبين الضّلوعِ تفتَّحَ ألفُ صَبِيٍّ

وألفُ صبيَّه

 أو نحو قوله (59):

تطيرُ فراشهْ

يراها صبيٌّ… يلاحقها… ثمّ يتعبُ

ثمّ ينامُ… كأيٍّ تنهَّد فوق فِرَاشِهْ

بصدره تغرُب شمسٌ يلاحقها

قمرٌ فيقتتلان

وقد يستنبط الشّاعر الصّورة من كلمة نحو(60):

(سيقولون سلاما)

فأشكّ السين بقوس

وأشكُّ الميم بقوس

تنبتُ لا

يسقط سُمْ

أو من شكل خطيّ نحو(61):

وكانت حروفُ الصفاء مخبّأةً بين قوسَيْنِ:

قوسٍ لِصفقهْ

وقوسٍ لطلقهْ

لكن مهما تسامى الشّاعر عن الوصف العدسيّ للواقع المعيُوش الفجّ وعدل عن الكلام العاديّ المبتذل فإنّه لا يقع إلاّ نادرا في الاستبهام والارتجال. لذلك لا يجد القارئ عسرا في فهم خطابه وإدراك مغازيه، إذ ليست البنية البلاغيّة فيه سوى ترجمة أمنية لبنيته الغرضيّة .

 

خاتمة :

   لقد اتّضح لنا جليّا، بعد هذه القراءة العجلى في  شعر منصف المزغنّي من زاوية نظر واحدة  – وهي الالتفات إلى ما هو مشترك بين مجاميعه  – أنّ هذا الشّاعر لم يتزحزح قِيد أنملة عن ثوابته الفنّية على الرّغم من مرور أكثر من  أربعين عاما على انطلاق تجربته الشّعريّة و على الرغم من تعمّق تجربته واتّساعها بحكم تقدّمه في السّن. فالشّعر لديه يبقى دائما سقف الكلام أو لا يكون. وليرتقيَ إلى هذا المستوى الرّفيع ينبغي أن ينزع الشّاعر فيه إلى تحقيق منتهى العدول. ولئن وجد معظم الشّعراء  اللاّحقون ضالّتهم في اللاّوعي ينهلون من مَعِينه لبلوغ الهدف نفسه فإنّ المزغنّي متمسّك بكون المفكّرة (أي العقل) هي التي تنبع منها وجوبا النّواة الدّلاليّة التأسيسيّة للنّص الشّعريّ. ثم هي التّي تنسج لُحمة هذا النص وسداه خيطا خيطا وعلى مهل إلى حدّ اكتماله النّهائيّ. وثمّة يلتقي ، بلا شكّ ،  مع الشّاعر الفرنسيّ الكبير بول فاليري (Paul Valéry       1871 -1945) مُنظّر الحِرَفِيَّة والكتابة الواعية، إلاّ أنّ المزغنّي – والحقّ يقال – يفترق عنه في كون الصّناعة الشعريّة لديه ليست تطبيقا لقواعد مستتبّة وإنّما هي اختراع مستمرّ للقواعد.

ولهذا لعلّ أدقّ ما ينطبق على تجربة المزغنّي الشعرية وما تتميّز به عن تجارب الشعراء المعاصرين عربا   ، وعلى حدّ علمنا  أجانب أيضا ، هو “إبداع الصّناعة”. وهو ما أهّله لامتلاك  أسلوب خاصّ متفرّد يسم على نحو عميق بارز أيّ غرض يطرقه. وهو المعنى الذي حدّده العرفانيّون “للإبداع”.

الهوامش :

1- انظر: محمّد صالح بن عمر، تطوّر الّتّجربة الشّعريّة لدى منصف المزغّني، الشّركة  التّونسيّة للّنشر وتنمية فنون الرّسم، تونس 1996.

2- انظر : محمّد صالح بن عمر ، أصوات شعريّة من تونس ، دار إشراق للنّشر ، تونس 2009

3- منصف المزغنّي ،مشاعر،منشورات ضفاف،سوسة 2017.

4- منصف المزغنّي ، عناقيد الفرح الخاوي، ديميتير،. تونس 1981 ص   38

5-المصدر نفسه ص48.

6- منصف المزغنّي، عيّاش، ديميتير، تونس 1982   ص15

7- المصدر نفسه ص 32

8- المصدر نفسه ص 33

9- المصدر نفسه ص 34

10- منصف المزغنّي ، العناقيد ص54

11- المصدر نفسه ص 43

12- المصدر نفسه ص ص 32 – 36 – 42

13- المصدر نفسه  ص 19

14- المصدر نفسه  ، الصفحة نفسها

15- المصدر نفسه ص29

16- منصف المزغنّي، عيّاش، ديميتير، تونس 1982   ص64

17- المصدر نفسه ص 50

18- منصف المزغنّي، قوس الرّياح1، دار طبريّا للنّشر والتّوزيع، إربد الأردن ودار الأقواس. تونس 1989ص ص35-36

19- منصف المزغنّي، حنظلة العليّ، دار الأقواس، ط1، تونس 1989، 112 ص. ودار طبريّا للنشر والتّوزيع، ط 2، إربد – الأردن 1989 ص 63

20- منصف المزغنّي، محبّات، الشّركة التّونسيّة للنّشر وتنمية فنون الرّسم، تونس 2003 ص 12

21- المصدر نفسه ص 172

22- منصف المزغنّي ، حبّات، دار الآداب، بيروت لبنان، ص 5

23- المصدر نفسه ص 5

24- منصف المزغنّي، قوس الرّياح ص 4

25- المصدر نفسه ص ص 35 – 36

26- منصف المزغنّي ، حنظلة ص 53

27- المصدر نفسه ص47

28- المصدر نفسه ص139

29- المصدر نفسه ص175

30- المصدر نفسه ص63

31- المصدر نفسه ص 18

32- منصف المزغنّي ، حنظلة ص 87

33- منصف المزغنّي ،محبّات ص 147

34- المصدر نفسه ص51

35- المصدر نفسه ص21

36- المصدر نفسه ص 42

37- المصدر نفسه ص  37

38- المصدر نفسه ص15

39- المصدر نفسه ص17

40- المصدر نفسه ص ص 91 – 92

41- المصدر نفسه ص26

42- المصدر نفسه ص 27

43- المصدر نفسه ص31

44- المصدر نفسه ص 11

45- المصدر نفسه ص 12

46- المصدر نفسه ص ص 9 – 11

47-  المصدر نفسه ص 10

48- المصدر نفسه ص 9

49- المصدر نفسه ص 10

50- المصدر نفسه ص 11

51- المصدر نفسه، الصفحة نفسها

52- المصدر نفسه، الصفحة نفسها

53- المصدر نفسه ص 10

54- المصدر نفسه ص11

55- منصف المزغنّي ، العناقيد  الصفحات : : 5- 7- 8- 11- 13- 16- 18- 19- 22- 24- 27- 29- 30- 33- 36- 38- 3- 40 – 41 – 42- 45- 46 – 47- 53- 55- 56- 66

56- منصف المزغنّي ، عياّش ص 11

57- المصدر نفسه ص  11

58- المصدر نفسه ، الصفحة نفسها

59-  المصدر نفسه ص17

60- المصدر نفسه ص 14

61- المصدر نفسه ص23

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*