على عتباتِ الرَّحيلِ: قصّة قصيرة لأميمة إبراهيم – دمشق – سورية

أميمة إبراهيم

أميمة إبراهيم

على عتبات الرَّحيل
باكراً امتطيتَ أجنحةَ الرّيحِ وحلّقْتَ. كنتَ قد أغلقْتَ لتوّك سمّاعة الهاتفِ هازئاً من هذا الزمنِ القاحلِ… حالماً بالذهابِ إلى أبعدِ نقطةٍ في العالم.
وكنتُ لم أزلْ أتضوّعُ عطراً لسماعي صوتِكَ، وفي القلب نداءُ السّهوبِ للغزلانِ والأيائلِ، وشوقٌ يقاربُ الألمَ لعينيكَ المعمّدتين بندى الصّباح، ولضحكتِكَ التي أعشقُ تفاصيلَها، رنّتَها، موسيقاها الحبيبةَ. وكنْتُ أرسمُ على عشبِ الانتظار أيقونةَ الخلاصِ عندما فاجأني التّنينُ- وما أنا بقديسٍ لأهوي برمحي عليه- و كنْتُ عاجزةً و التّنينُ يقتربُ. و أنتَ تبتعدُ، و أنا أغرقُ في مياهٍ من وجعٍ. بينما الأصواتُ تهدرُ قارعةً أجهزةَ الإنذارِ في عقلي.
*صوتُ الماء: مذ كنتُ صغيرةً و الماءُ يطاردُني في أحلامي، لكنّه الآن يحيطُ بي من كلِّ الجهاتِ ويحاصرُني. ماءٌ أخضرُ… ماءٌ أزرقُ… ماءٌ داكنٌ، و موجٌ هائج صاخبٌ… ماءٌ… ماءٌ… ماء… و أغرقُ في لجةِ الذّكرى.
*صوت الذّكرى: نازفةً حشرجاتي، باكيةً أحلامي أهشّمُ صوري الضّاحكةَ و أنبشُ الحزنَ و أغطي عريَ الفرحِ ببقايا وردةٍ زرقاءَ ما أهديْتُها يوماً إلاّ لكَ. و أذكرُ أنّي في ليلةِ حلمٍ، صحا الفجرُ و أنا أقدّمُ لك شكري لأنّكَ فرشْتَ لي عينيكَ موائدَ حنانٍ، و لوّنْتَ أيامي بضحكةٍ من القلبِ صافيةٍ. و أذكرُ أنَّ ضحكتَكَ راوغَتْ خجلَكَ و أنت تهمسُ مستغرباً: “أتشكرينني!!؟”.
يا لتلكَ الضّحكةِ كم أترعَتْ بالسّعادةِ أيامي و ملأتْ بالعبقِ تجلياتِ عمري.
*صوتُ التّضرّع: أدعوكَ بكلِّ الأسماءِ و الألفاظِ و الصّفاتِ، ألا قمْ من رقادِكِ… صافحْ يديَّ … قبّلْ وجنتيَّ. و انثرْ في دروبِ لقائي ورودَك البريّةَ.
*صوتُ الرّجاء: تُرى بمَ فكّرتَ قبلَ سُباتِكَ؟ هل لاحتْ صورتي في خيالكِ وأنت تُغمضُ على الألمِ عينيكَ؟!.
*صوتُ التّرقّب: يا من علّمتَني كيفَ يُبعثُ الفرحُ نبياً، و كيف تصهلُ الضّحكاتُ نقيةً. هلاّ بُعثْتَ من سباتِك في قيامةٍ بهيةٍ!.
*صوتُ الألم: على عتباتِ فراقِكَ أقفُ خاشعةً، أمدُّ اليدَ خجلى، أحاولُ أن أتلمّسَ جسدَك، عساني أبعثُ فيه الحياةَ، و أُوقدُ جذوةً توشكُ على الانطفاءِ، فلا أجرؤ على اقتحامِ قدسيتِكَ.
تهمي دموعي، تستبيحُ بقيةً من رزانةٍ و هدوءٍ كاذبٍ أعابثُ به شقاءَ الدُّنيا.
* صوتُ النّزفِ: تحملُهُ الأكفُّ إلى منزلِهِ الجديدِ، تهربُ روحي من جسدي، تطيرُ قريبةً منه، تظلّلُ نَعشَه بغيمِ الدّمعِ الهتونِ، وتهدلُ له بأغنياتٍ من زمن اللقاءِ.
يتهادى النّعشُ على الأكفّ. و روحي مثلما أقانيمي ترحل إليه.
وأسألُه: ” أفي النّعش بعضٌ مني؟!”.
* صوت الدّهشة_ صوتُهُ_ : عيناها تحتضنانني بلهفةٍ، وتغمضانِ الرّمشَ مخافةَ وجعٍ. و أشمُّ رائحةَ عطرِها، فأغمضُ عينيَّ بسلامٍ…يا لعطرِها الجميلِ…. إنّه يلفُّني بضوعهِ، ثمّ يتحوّلُ غيمةً بيضاءَ أسافرُ على أجنحتِها إلى محطةٍ بعيدةٍ – قد تكونُ أبعدَ نقطةٍ في الدُّنيا_!!.
* صوت الأسى _ صوتُهُ_ : بعيدةٌ هي. لكنّ روحَها قريبةٌ مني، أشعرُ بها تحنو عليّ، تؤنسُ وحشةَ قبري…. عيناها الهاطلتان أنهاراً من دمعٍ تسقي تربتي، لكني أحزنُ إذ أراها حزينةً. هي تعرفُ أني ما أردْتُها يوماً إلاّ سعيدةً ضاحكةً مترعةً بالفرحِ. هي تعرفُ أنّها الأغلى، وأنّها فاتحةُ المسرّةِ وخاتمةُ الأحلامِ.
* صوتُ الأغنية: ” يا حلو شو بخاف إنّي ضيعك نمرق على الجسر العتيق وتروح مني بها لطريق لوين لا تقلي ولا تاخدني معك”.
الجسرُ يا فيروزُ محطّمٌ، والطرقاتُ عاجلَتِ الرّحيلَ.
* صوتُ الفراق: كم تفتقدُكَ خطواتي الثّكلى، جراحي النّازفةُ…. وكم أنا ظمأى إلى حنانِكَ…. إلى صَوتِكَ النّازفِ فرحاً وخوفاً، أملاً وشغفاً.
دروبي اشتاقَتْ إلى خطوةٍ عجلى بانتظارِ هاتفٍ يرنُّ أو صوتٍ يَقرعُ أجراسَ المحبّة، فلا أسمعُ إلاّ نداءً آتياً من فجرِ الرّغبةِ. فيا حزنَ قلبي آن يفتقدُ صوتَكَ و يهتفُ، و لا من مجيب.
* صوتُ الرّحيل: بعدَ اليومِ لن تضحكَ عيناكَ آن نلتقي، آن تسمعُني، آن تذكرُني. ولن تنتظرَنا المحطاتُ، ولن تعانقَ لهفتَنا المسافاتُ.
وسألوبُ باحثةً في كلِّ الوجوهِ عن وجهِكَ.

و سأتوضّأُ بالدّمعِ كلَّ صلاةٍ، و أتعمّدُ بالقهرِ كلَّ غروبٍ إذ أذكرُ أني ذاتَ مرارةٍ طرّزتُ وجهَكَ الجميلَ على وجهِ شمسٍ غاربة.
و سأبقى أقتطفُ من الغيمِ قُبلاً لعينيكَ السَّاكنتين أبداً في فيافي الرّوحِ.
فسلامٌ عليكَ يومَ كنتَ، ويومَ لم تزلْ في القلبِ يماماً، و ورداً، و غيماً، و نسيماً قدسياً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*